Blog

  • أسرة المخدوم ودورها في النهضة العلمية والأدبية بكيرالا

    أسرة المخدوم ودورها في النهضة العلمية والأدبية بكيرالا

    الدكتور / عبد اللطيف  الفيضي (1)

    تعتز ولاية كيرالا وخاصة ديار مليبار بعلاقتها الوثيقة باللغة العربية وآدابها منذ عهد قديم يرجع تاريخها إلى ما قبل الإسلام؛ لأن العرب كانوا يفدون إلى الهند قبل العصر المسيحي بآلاف السنين لممارسة التجارة، وفي بعثات لزيارة آثار قدم آدم عليه السلام في سرنديب (سيلان). ويشهده رأي المؤرخ الهندي الدكتور تاراشاند حيث يقول: إن عرب الجاهلية كانوا يأتون سواحل الهند وجزائرها منذ سنوات كثيرة قبل الإسلام. وكانوا ينزلون الهند من طريق البحر الأحمر والسواحل الجنوبية وكانت أهدافهم أن يأتوا فوهة بحر السند أو شاطئ مليبار، ومنها إلى كويلون، ومنها إلى سيلان والملايو. كما أن الكاتب الهندي سوامي ديانند يشير إلى أن اللغة العربية صارت مستعملة في الهند من القرن السابع قبل المسيح.وجاء أيضا في تقويم البلدان لعماد الدين أبي الفدا : إن اليهود الحميريين كانوا يتاجرون مع موانئ مليبار في سواحل الهند الغربية منذ زمن قديم، وقد هاجر عدد منهم إلى الهند واستوطنوا في مدن كرنفلور وشاليام وكوشين الواقعة في ساحل الهند الغربي، وكانت قبائل من هؤلاء اليهود العرب باقية في تلك المدن.

    فلا يشك أحد أنه كانت اللغة العربية متعارفة ولو إلى حدّ أدنى في كيرالا منذ أواخر السنوات ما قبل الميلاد، وأنها ازدهرت طبقا لازدهار العلاقات التجارية والثقافية بين كيرالا والبلاد العربية. ومع إشراق نور الإسلام في الحجاز وما جاورها قويت هذه الأواصر ووصل تعاليم الإسلام بكلّ أصالتها وموثوقيتها في هذه الديار، وانتشرت بذلك العربية وآدابها في المجتمع الإسلامي  بكيرالا.

    ولكن النهضة الحديثة في العلوم والآداب العربيةبدأت منذ وصول أسرة المخدوم إلى هذه البقعةفي القرن التاسع الهجري، وبعد ذلك توالت وفود العلماء والسادات من البلاد العربية ومن بينهم أسرة القضاة والسادات الحضرميون، وهؤلاء العباقر عملوا أساطين النهضة العلمية والأدبية والثقافية في المجتمع الإسلامي بكيرالا. والمقصود بهذه العجالة تسليط الضوء إلى جهود هؤلاء العباقر في تحريك عجلة التقدم العلمي والأدبي بين المسلمين وفي بثّ روح الوطنية والتعايش بين الأديان والقيام بالنضال والمكافحة ضدّ المستعمرين والأجانب الذي جاءوا إلي مليبار لاستغلال منافعها ونشر سمّ الكراهية والبغضاء بين الأمم المختلفة.وأخصّ منهم إلى ذكر مآثر وخدمات أسرة المخدوم في النهضة العلمية والأدبية والثقافية بكيرالا علما بأن الكلام يطول إذا ذكرنا باقي الفئات من الأسر الكريمة.

    أسرة المخدوم بفونّاني:

    أسرة المخدوم من أشهر الأسر العلمية والدينية في كيرالا، كان لها نفوذ قويّ ودور رياديّ في حياة المسلمين في مليبار، وصلت هذه الأسرة إلى منطقة فونّاني–الواقعة بساحل البحر العربي والمعروفة بعلاقتها العريقة بالعرب- في أواخر القرن التاسع الهجري. وكان مؤسّس هذه الأسرة في كيرالا هو الشيخ إبراهيم بن أحمد الذي وصل أولا من المعبر في اليمن عن طريق كيلاكرا وكايل بتنم في تامل نادو إلى كوتشن، وبعد ذلك انتقل إلى فونّاني حيث سكن فيها وشرع في نشاطاته الدعوية والإصلاحية والتربوية. وجاء الشيخ زين الدين المعروف بالمخدوم الكبير ابنالعليّ بن أحمدالذي هوابن الأخ لإبراهيم بن أحمد، مؤسس هذه الأسرة في مليبار.

    وهذه الأسرة أهدت لمليبار- عدا المخدومين الكبير والصغير – عددا من العلماء الربانيين والمصلحين البارعين الذين أسهموا في نشر التعليم الديني وفي تزكية النفوس وفي إثراء المكتبة الإسلامية العربية بتآليفهم القيمة نظما ونثرا. و من أشهرهم الشيخ عبد العزيز بن زين الدين الكبير، وعلي حسن المخدوم، و زين الدين المخدوم الأخير، والشيخ أحمد باوا المسليار المخدومي بن الشيخ المخدوم الأخير، والشيخ عبد الرحمن المخدومي.

    فونّاني منبع

    الثورة العلمية والثقافية

    منذ عهد المخدوم الأول اشتهر بلدة فوناني مركزا للعلم والإدارة حتى إنه تمّ تأسيس مسجد في كل قرية تبعا للمسجد الجامع بفوناني تحت قيادته الحكيمة، وجمع أهاليها تحت هذه المساجد بجعلها محلّة،يعني وحدة متماسكة بين الأفراد يرأسهم إمام المسجد ومدرّسه وقاضيه ويساعده الأمراء والوجهاء من تلك المحلة. وهذا النظام عمِل كمحكمة شرعيّة في حلّ النزاعات الدينية والدنيوية بين أفرادها من غير لجوء إلى المحاكم الشرعيّة الحكومية، كما أكّد هذا النظام الوحدة والأخوة بين أفراد المجتمع يقومون يدا واحدة ضدّ الطغيان والفساد والاحتلال الأجنبي، فإذا أمر قاضي القضاة بفوناني بأمر ينقاد إليه جميع القضاة في محلاتهم الخاصة ويبلّغونه إلى أفرادهم. وهذا النظام هو الذي ساعد في تبليغ رسالة تحريض أهل الإيمان ورسالة تحفة المجاهدين إلى أذهان العوام، ودفعِهم إلى ميدان القتال والنضال ضد البرتغاليين الذين ملأوا الأرض طغيانا وكفرا. فإن نظام المحلّة القائمة في ديار مليبار بين المسلمين يرجع فضله إلى ما طبّقه المخاديم قبل قرون.

    هذا، كما نعرف أن المسجدالجامع الذي بناه المخدوم الكبير صار مركزاللعلم يفدون إليه الطلاب من كل صوب،حتى إذا تمّت الدراسة وتأهّل الطالب للتدريس– وهذا الذي كانيعرف بـVilakkathirukkal- يرسله الشيخ إلى بلدة أخرى للتدريس والقضاء، فإذا احتاج أهل بلدة إلى مدرّس أو إمام أو قاض كانوا يلتجئون إلى فونّاني طلبا من المخدوم أن يرسل إليهم عالما محصّلا إلى بلدتهم. فيرسل المخدوم معهم واحدا من تلامذته الذين لهم كفائة كاملة في التدريس والإفتاء داعيا له ولهم كل الخير والبركة والصلاح. فعلى هذا انتشر التعليم وثقافة الإسلام وشاعت اللغة العربية وآدابها في جميع أنحاء كيرالا المعمورة بقيادة الأيدي الحكيمة التي يديرها المخدوم بفونّاني. وممّا يدهشنا أن هذا الانقلاب الروحي والثورة العلميةجرت في عهد لم يعمّ فيه وسائل التعليم والمواصلات كما شاعت في عالمنا المتحضّر.

    المنهج المعبري

    ومن أكبر الشواهد لتأثير أسرة المخدوم في الحياة العلمية لأهل كيرالا، حلقات الدروس التي تجري في معظم المساجد في ولاية كيرالا، ولا يوجد في كيرالا عالِم متقِن ومتبحّر في العلوم الإسلامية والعربية يشار إليه بالبنان إلا وكان من أبناء حلقات دروس المساجد. والمنهج المتّبع في دروس هذه المساجد هو المنهج المعبري الذي عرّفه الشيخ زين الدين المخدوم المعبري حين كان قاضيا ومدرسا في فوناني، وقبل هذا كان السائد هنا هو المنهج الفخري الذي رتّبه الشيخ فخر الدين رمضان الشالياتي، وجعل المخدوم الصغير فيه بعض التعديلات والإصلاحات وطبّقه في جميع المساجد حيث أدرج فيه كتب التفسير والحديث والفقه والنحو والصرف والمعاني والمنطق والتاريخ والتصوف والفلك والحساب والطب وغيرها حسب النموّ النفسي للمتعلمين كما ألّف نفسه بعض الكتب الدراسية لهذا الغرض. ويقول السيد عبد الرحمن العيدروسي في كتابه نوابع علماء مليبار : طرأ تغيّر للمناهج الفخرية فيما بعد، بعد تطبيقها في جميع المعاهد الدينية في مليبار واستمرت حوالي قرنين من الزمن، وذلك بإدراج بعض الكتب النافعة فيها كما اقترحه الشيخ زين الدين المعبري المخدوم الثاني حفيد الشيخ زين الدين المخدوم الأول.

    وكان كلاهما مشهورا داخل البلاد وخارجها بالعلم والورع والفضل والنضال. وكان لهما صلة روحية وثيقة بمسالك الصوفية الأتقياء والأولياء الأصفياء فصارا بذلك من كبار مشائخ الطريقة القادرية. ومع ذلك كان لهما مواقف محمودة في مقاومة الاستعمار البرتغالي بالسيف والقلم واللسان، وفي تحريض المسلمين وغير المسلمين لمكافحة هؤلاء المستهترين والمفسدينالذين يعيثون في الأرض فسادا.

    مجلس معونة الإسلام

    وهذا المجلس يلعب دورا فعالا منذ نشأته في نشر اللغة العربية وآدابها، كما أنه يستضيف المهتدين إلى دين الإسلام بتزويدهم جميع ما يحتاج إليه من السكن والزاد باعتناء خاص في ترسيخ مبادئ الإسلام وتعاليمه في أذهان هؤلاء المهتدين.

    وهذا المجلس أسسه الشيخ عبد الرحمن المخدومي سنة 1900م ببلدة فوناني، وتجري تحت هذا المجلس فوق ما ذكر مدرسة ثانوية عالية ودار الأيتام والمكتبة الإسلامية. ومن نشاطاته في مجال التعليم الديني العالي كلية معونة الإسلام العربية والتي أسست عام 1959م. والخريجون من هذه الكلية تعمل في حقل الدعوة الإسلامية ونشر اللغة العربية.

    الخطّ الفونّاني

    ومما يجدر الإشارة إليه أن من إسهامات المدرسة المخدومية الخط الفوناني الذي يمتاز بمزايا كثيرة من خطوط العربية المختلفة كالنسخ والرقعة والفارسي والكوفي، وهي خط عمودي وأفقي بلا اعوجاج زائد، وهو أنسب لكتابة المصاحف بالحركات مراعيا لقواعد الرسم العثماني. وجميع تراث العربية المطبوعة والمخطوطة بمليبار مرسومة بهذا الخط المعروف كما ينشر فيها المصاحف والكتب العربية في مليبار. ومن المؤسف أنه لم يجد الخط الفونّاني رواجا وشهرة بين الخطوط العربية المعروفة ولم يصل إلى آذان الخطاطين في العالم العربي.

    آثار أسرة المخدوم

    خلدت هذه الأسرة مآثر خالدة في مجال بث روح الثقافة الإسلامية ونشر اللغة العربية يتمتع بها العالم العربي عموما وأهل كيرالا خصوصا من بينها كتاب «فتح المعين بشرح قرة العين» الذي ألفه الشيخ المخدوم الصغير يعتبره العلماء دائرة وجيزة في المسائل الفقهية، ويتضح قدره عندما نعرف أن العلماء الأجلاء من بلاد العرب قاموا بتأليف كتب مستقلة بشرح كتاب «فتح المعين»، مثل «إعانة الطالبين» في أربعة أجزاء للسيد البكر الدمياطي المصري ومثل «ترشيح المستفيدين بتوشيح فتح المعين»، للسيد أحمد السقاف ومثل «إعانة المستعين على فتح المعين» للعلامة علي با صبرين.

    ولا يخفى على أحد مكانة الكتابين الجليلين: أولهما «تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان» للشيخ زين الدين المخدوم الكبير، هي قصيدة جهادية خالدة وجّهت إلى الأمة المحمدية للقيام بواجبهم ضد الاستغلال الأجنبي. وثانيهما «تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين»، للشيخ زين الدين المخدوم الصغير الذي هو أول كتاب موجود عن تاريخ كيرالا في القرن الخامس والسادس عشر الميلادي، وهو المرجع الأساسي يخبر عن دفاع المسلمين ونضالهم ضدّ البرتغاليين والمستعمرين بكل ما يملك من عدّة وعتاد.

    إضافة إلى هذين المخدومين الجليلين جاء من الأسرة المخدومية كثير من العلماء العباقر لهم نبوغ وملكة في جميع العلوم والفنون ولهم تأليفات عديدة ولكن لم يطبع كثير منها إما بالتلف أو بالتساهل.وأقتصر هنا بذكر آثار خمسة علماء أجلاء فقط من هذه العائلة الشهيرة:

    1)   الشيخ عبد العزيز بن زين الدين الكبير (994 هـ)

    هو ابن الشيخ المخدوم الكبير وعمّ المخدوم الصغير كان مدرسا وقاضيا في فونّاني بعد وفاة والده. ومن كتبه المعروفة:كتاب المتفرد، وباب معرفة الصغرى والكبرى، وأركان الصلاة، ومرقات القلوب، ومسلك الأتقياء شرح هداية الأذكياء، وتعليقات على ألفية ابن مالك ( من باب الإضافة إلى آخره).

    2)   علي حسن المخدوم (1297 هـ)

    وكان عالما فقيها شاعرا وله قدم راسخ في جميع العلوم والفنون ومن آثاره : ديوان الأشعار، والقصيدة في حكم الشطرنجية، وكتاب في العروض والقوافي، وكتاب في علم الفرائض.

    3)   زين الدين المخدوم الأخير(1305 هـ)

    كان عالما تقيّا من أسرة المخدوم، وكان له قدم راسخ في علم النحو وعارفا باللغات الأخرى ومؤرخا شهيرا حتّى كان يلقّب عند معاصريه بابن خليكان، وأكب على التدريس وخدمة العلم طول حياته ودرس خمس سنوات في الحرم الشريف، وبعدما رجع إلى بلده فونّاني قضى نحو أربعين سنة قاضيا ومدرسا ومرشدا، وكان شيخ الطريقة القادرية والنقشبندية والجشتية. ومن آثاره الخالدة تلامذته الكبار من العلماء الأجلاء الذين لهم دور بارز في نشر العلوم واللغة في ربوع كيرالا كما لهم نفوذ واسع بين المجتمع بأعمالهم الجهادية والدعوية، مثل كوتيامو مسليار البلنكوتي، وميدو مسليار الشجاعي، والشيخ كنهي أحمد مسليار المدفون بفوتانفلي، والشيخ عيني كوتي مسليار المدفون بمقبرة نمنانكاد، وعلى مسليار نليكوت قائد ثورة مابلا وآل مسليار كتلاشيري.

    قلما نجد في تاريخ كيرالا علماء ربانيين مثله اهتمّ بتربية علماء أصفياء اختاروا الصفوة والخلوة، وعلماء أشدّاء اختاروا الجهاد والكفاح ضدّ الطغيان والفساد. ومن بعض أعماله: حاشية على قصيدة السؤال والجواب، ونصر العليم، ومولد في مناقب السيدة نفيسة المصرية والسيدة فاطمة الزهراء.

    4)   الشيخ أحمد بافا المسليار المخدومي ابن الشيخ المخدوم الأخير (1314هـ)

    وله أيضا مؤلفات عديدة، منها: تحفة الواعظين، وتبشير الواعظين، وتحذير الإخوان من مكائد النسوان، و مغانم الإخوان في تفسير الأدوية للحيوان، ومعدن السرور في تفسير سورة الطور.

    5)   الشيخ عبد الرحمن المخدومي (1341 هـ)

    وهو الذي قام بدوره في تأسيس مجلس معونة الإسلام بفوناني، وكان له مكانة رفيعة عند الحكومة البريطانية الحاكمة في هذه الديار، وعمل في منصب قاضي القضاة في فونّاني نحو أربعين سنة. وكان له إلمام واسع ونبوغ عميق في مسائل الدين وأحكامه ولذا كان يدعى هيتميّ زمانه ورمليّ أوانه. ومن مؤلفاته: كتاب في ترجمة القصيدة الوترية، وكتاب علاج الأطفال.

    وهذه هي بعض مآثر أسرة المخدوم بفوناني يطول الكلام بذكر جميع أعيان هذه الأسرة وآثارهم وتأثيرهم في مجال النهضة العلمية والثقافية بكيرالا. وعلى الاختصار، فإن النهضة الحديثة لمسلمي كيرالا في مجال التعليم والتربية ونشر اللغة العربية وثقافتها وآدابها تقوم على ساق أسلاف هذه الأسرة العريقة الذين هم أساطين الثورة العلمية وروّادها في هذه البقعة، كما أن العلماء والثوار الذين لهم دور قيادي في تحرير هذه المنطقة من براثن الإحتلال والاستعمار، هم من أبناء هذه المدرسة المخدومية. ومن المضحك وكذا من المؤسف أيضا، ادّعاء من لا خَلاق لهم في الدين والدنيا أن زمام النهضة العلمية والأدبية في كيرالا، هو في أيدي أولئك الذين قاموا بتفريق المسلمين الأصفياء في هذه البقعة وتشتيتهم بافتراء الشرك والكفر عليهم من غير بيّنة ولا برهان ونشروا لهذا الغرض قراطيس يبدونها ويخفون منها كثيرا.

    المراجع:

    ·      الدعوة الإسلامية وتطورها في شبه القارة الهندية، د/محيي الدين الألوائي، دار القلم دمشق 1986م.

    ·      من نوابع علماء مليبار – السيد عبد الرحمن العيدروس الأزهري، طبعة خاصة،1993م

    ·      البسيط في الإملاء والخطوط- عبد الله مولوي كاكاد، دار الدراسة للنشر،كاكاد 2005م.

    ·      تحفة المجاهدين لزين الدين المخدوم، تحقيق وتعليق حمزة جيلاكودن، مكتبة الهدى كاليكوت.1996م.

    ·      المسلمون في كيرالا- عبد الغفور عبد الله القاسمي، مكتبة أكمل،ملابرم، 2000م.

    ·      عظماء مليالم ( بلغة مليالم )، محمد علي المسليار النلكتي، كاليكوت، مكتبة الإرشاد 1997م.

    ·      تاريخ الأبرار – الشيخ محمد الفيضي بن البخاري المليباري، لجنة أنوار الطلبة، بالكاد 1995م.

    ·      إسهامات الهند للأدب العربي، أوراق ندوة وطنية، قسم العربية، جامعة كاليكوت 2011م.

    [1])

    أستاذ اللغة العربية بكلية تذكار تونجان الحكومية، ترور.

  • الموسيقي عند ملوك الأتراك والأفاغنة في الهند (PDF)

    الموسيقي عند ملوك الأتراك والأفاغنة في الهند (PDF)

    التحميل

    المباحث المهمة

    ·      ركن الدين فيروز 1232

    ·      بهاء الدين البلبن

    ·      كيقباد 89-1287

    ·      جلال الدين الخلجي 96-1290

    ·      علاء الدين الخلجي 1296م/

    ·      قطب الدين مبارك الخلجي 1330-1316

    ·      غياث الدين تغلق

    الملوك المغول

    ·      أكبر

    ·      جهانجير (جهانكير)

    ·      شاه جهان

    ·      أورنج زيب عالمجير (أورنكزيب عالمكير)

  • من الجانجا الى الفلوجا (تاريخ طرق تجارية قديمة وسهم الهند فيها) PDF

    من الجانجا الى الفلوجا (تاريخ طرق تجارية قديمة وسهم الهند فيها) PDF

    بقلم : الأستاذ سوربي روي

    المصدر  :

    مجلة ” ثقافة الهند”

    المجلد

    الثالث عشر أكتوبر

    سنة

    1962

    العدد

    الرابع

    الصحفة

    من 1 الى 10

    التحميل 

  • بِعَمْرِهٖ قَبْلَ تَأْكِيدٍ جَرَى الْقَسَمُ.، بقلم: الأخ يونس الجنّاتي

    يَا لَيْتَ شِعْرِيَ كَيْفَ الْمَدْحُ يَنْتَظِمُ

    فِيمَنْ عَنَى لِعُلَاهُ النَّظْمُ وَالنَّغَمُ

    دَانَتْ لَدَيْهِ قَوَافِي الشِّعْرِ أَجْمَعُهَا

    فَمَا يُسَطِّرُعَنْهُ الْحِبْرُ وَالْقَلَمُ؟!

    أَعْيَى الْمَدَائِحَ أَوْصَافٌ لَهُ فَإِذَا

    مَا كُنْتُ أَمْدَحُهُ بِالشِّعْرِ، أَلْتَجِمُ

    أَثْنَى عَلَيْهِ نَحَارِيرٌ جَهَابِذَةٌ

    فِي وَاحَةِ الشِّعْرِ حَتَّى كَلَّ كُلُّهُمُ

    هُوَ الرَّسُولُ حَبِيبُ اللّٰه سَيِّدُنَا

    هُوَ السِّرَاجُ الْمُنِيرُ الشَّاهِدُ [1] الْعَلَمُ

    يُسَلِّطُ النُّورَ فِي الظَّلْمَاءِ يَكْشِفُهَا

    يُلْقِي ضِيَاءَ الْهُدَى، يُجْلَى بِهِ الظُّلَمُ

    وَرَحْمَةً لِجَمِيعِ الْعَالَمِينَ[2]  أَتَى

    فَكُلُّ أَهْلِ الثَّرَى مِنْ بَعْثِهٖ رُحِمُوا

    لَقَدْ تَفَضَّلَ بِالْمِعْرَاجِ كُلَّ سَمَا

    وَكُلُّ أَمْلَاكِهَا لِلْمُصْطَفَى خَدَمُ

    أَلَمْ تَرَوْا لَيْلَةً أَخْفَى كَوَاكِبَهَا

    نُورٌ رَقَى فَدَنَا الْأَمْلَاكُ يَحْتَرِمُ

    حَتَّى تَرَقَّى إِلَى ذِي الْعَرْشِ مُنْفَرِدًا

    وَعَادَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَغْتَنِمُ

    فَإِنَّهُ أَشْرَفُ الْإِنْسَانِ أَكْمَلُهُمْ

    بِعَمْرِهٖ قَبْلَ تَأْكِيدٍ جَرَى الْقَسَمُ [3]

    أَعْظِمْ بِأَخْلَاقِهٖ إِذْمَا يُؤَكِّدُهُ الـــْ

    قُرْآنُ فِي آيَةٍ [4] لَمْ تَعْلُهَا كَلِمُ

    مَا أَحْسَنَ الدُّرَرَ الْمُلْقٰىةَ مِنْ فَمِهٖ

    تَظُنُّ مِنْ فِيهِ قَطْرَ الْغَيْثِ يَنْسَجِمُ

    كَأَنَّ مِنْ شَفَتَيْهِ النُّورُ مُنْتَشِرٌ

    مِنْ زَهْرَةٍ تَتَبَدَّى حِينَ يَبْتَسِمُ

    لَهُ الْجَمَالُ كَمَا لًا، لَيْسَ يَعْدِلُهُ

    فِي غُرَّةِ الْوَجْهِ أَمْلَاكٌ وَلَانَسَمُ

    نُورُ الْحَقِيقَةِ يَسْنُو مِنْ تَبَسُّمِهٖ

    فَبَاتَ كُلُّ مَبَانِي الشِّرْكِ يَنْهَدِمُ

    هُوَ الْمُؤَيَّدُ بِالنَّصْرِ الْعَزِيزِ لَهُ [5]

    هُوَ الشُّجَاعُ إِذَا مَا الْحَرْبُ تَلْتَحِمُ

    لَمَّا تَحَدّٰىهُ أَعْدَاءُ الْإِلٰهِ بَدَا

    لَيْثًا يُقَاتِلُهُمْ لِلّٰهِ يَنْتَقِمُ

    لَهُ صِحَابٌ أَتَمُّوا كُلَّ ذِمَّتِهِمْ

    فَقَدْ وَفَوْا حَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُمْ ذِمَمُ

    تَقَدَّسُوا بِجِوَارِ الْمُصْطَفَى شَرَفًا

    وَمِنْ شَمَائِلِهِ الْحُسْنَى قَدِ اغْتَنَمُوا

    هُمُ الْأَفَاضِلُ وَالْمُخْتَارُ صَاحِبُهُمْ

    وَلِلتَّوَارِيخِ مِنْ أَمْثَالِهِمْ عُقُمُ

    هُمُ الَّذِينَ إِذَا قَامَ اللِّقَاءُ أَرَوْا

    أَعْدَاءَهُمْ بِحُدُودِ السَّيْفِ رُشْدَهُمُ [6]

    هُمُ النَّمَاذِجُ فِي التَّارِيخِ لِلرُّحَمَا

    بِالرَّحْمَةِ اتَّصَفُوا فِي الذِّكْرِ[7]  وَاتَّسَمُوا

    وَهُمْ سَرَاةٌ هُدَاةٌ أُمَّةٌ وَسَطٌ [8]

    وَفِي الظَّلَامِ إِذَا حِرْنَا فَهُمْ نُجُمُ [9]

    قُومُوا وَسِيرُوا عَلَى آثَارِهِمْ قَصَصًا

    عَضُّوا عَلَى الْمِلَّةِ السَّمْحَاءِ وَاعْتَصِمُوا

    [1] إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب: “إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا مّنيرا”

    [2] إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء: “وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين”

    [3] قوله تعالى في سورة الحجر: “لعمرك إنّهم لفي سكرتهم يعمهون”

    [4] قوله تعالى في سورة القلم: “وإنّك لعلى خلق عظيم”

    [5] قوله تعالى في سورة الفتح: “وينصرك اللّه نصرا عزيزا”

    [6] عود الضمير إلى الأعداء

    [7] قوله تعالى في سورة الفتح: “والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم”

    [8] قوله تعالى في سورة البقرة: “وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لّتكونوا شهداء على الناس”

    [9] قال صلّى اللّه عليه وسلّم: “أصحابي كالنجوم، فبأيّهم اقتديتم اهتديتم”

  • الطلاق الثلاث والقانون المدني الموحد

    الطلاق الثلاث والقانون المدني الموحد

    بقلم: محمد ضياء الدين الفيضي

    فبعد أن قدمت الحكومة المركزية الهندية خطتها لفرض القانون المدني الموحد على كل المواطنين وتبعاً لذلك طرحت اللجنة القانونية العاملة تحت الحكومة نحو الجمهورأسئلة خطيرة المدى حول الموضوع صارت مسألة الطلاق الإسلامي – وخاصة الطلاق الثلاث- محل جدل ونقاش،ليس لدى المسلمين فحسب بل وغير المسلمين، وقد نجح الأعداء إلى حد كبير في إثارة الشبه والشكوك حول نظام الطلاق في الشريعة الإسلامية وفي إيقاع بعض ضعفاء القلوب من المسلمين في هذه الورطة المهلكة.

    ومما يدل على أن الموضوع قد تجاوز الدوائر الدينية أن جل الخائضين فيه هم السياسيون والإعلاميون والصحافيون والثقافيون وقضاة المحاكم وأكثرهم غير مسلمين، وأعجب من ذلك أن أكثر المتكلمين في الموضوع لم يلموا بشيء عن الشريعة الإسلامية عامة وعن الطلاق الشرعي خاصة، كأن أكثرهم ظنوا أن سنة الطلاق إنما أحدثها الإسلام، ولم يكن ذلك معروفاً لدى المجتمعات الأخرى، والأنظمة المتبعة مما يدل على جهلهم المركب في القضية.

    ولا أدلّ على جهلهم بموضوع الطلاق الإسلامي أن النساء المسلمات والمجتمع المسلم بأسره راضون بشريعة الله تعالى في أحوالهم الشخصية بما فيها النكاح والطلاق – إلا أن بعض من ينسبون أنفسهم للإسلام – وهم بمعزل عنه- تأثروا بشبه الأعداء، وبدأوا يخوضون في الطلاق على جهل أو تجاهل، ويواكبون أعداء الإسلام في مدعياتهم ومتطلباتهم، ويعدون ذلك من التطور العقلي والتقدم العلمي والثقافة العالمية، وبعض آخر يعترفون بالشريعة الإسلامية عموماً إلا أنهم يرون أن الإسلام لم يراع حق المرأة حق الرعاية -والعياذ بالله من التطاول على دينه-.

    الطلاق في الملل الأخرى:

    ولا يخفى على من درس موضوع الطلاق أن الطلاق من مصلحة الزواج ومن ضروريات الحياة الزوجية، وأنه لم يخل مجتمع من ذلك. فقد نقل الأستاذ قاسم أمين فى كتابه تحرير المرأة عن الأديب الفرنسى فولتير قوله: “إن الطلاق قد وجد فى العالم مع الزواج فى زمن واحد تقريباً، غير أنى أظن أن الزواج أقدم ببضعة أسابيع، بمعنى أن الرجل ناقش زوجته بعد أسبوعين من زواجه، ثم ضربها بعد ثلاثة، ثم فارقها بعد ستة أسابيع” ثم قال الأستاذ: الطلاق قديم فى العالم، وأنه يكاد أن يكون من الأعراض الملازمة للزواج، وهذا حق لا يرتاب فيه، فقد دل تاريخ الأمم على أن الطلاق كان مشروعاً عند اليهود والفرس واليونان والرومان، وأنه لم يمنع إلا فى الديانة المسيحية بعد مضى زمن من نشأتها”‏([1]).

    وأما في بلادنا – الهند والدول المجاورة لها- فقد سادت هناك الديانات البرهمية والبوذية وشريعة مانو، وقد عرف براهمة الهند نظاماً شبيهاً بنظام الانفصال الجسدى عند الكاثوليك، غير أن للرجل أن يتزوج بأخرى، ويترك مسكن الأولى.وعند البوذيين الطلاق بيد الرجل أو باتفاق الطرفين، ويكفى الرجل فى طلاق زوجته أن يقول لها :” إنها اتصفت بصفة سيئة يقدرها هو، كأن تملأ البيت دخاناً، أو تكثر الكلام، أو تزعج الكلاب بصوتها “([2]) .

    وأما الطلاق عند اليهود فقد جاء فى سفر التثنية إصحاح 24: 1، 2 أن موسى عليه السلام قال: “إذا اتخذ رجل امرأة وصار لها بعلاً ثم لم تحظ عنده لعيب أنكره عليها فليكتب لها كتاب طلاق، ويدفعه إلى يدها، ويصرفها من بيته “، وفى الإصحاح الثالث من كتاب أرميا “إذا طلق رجل امرأته فانطلقت من عنده، وصارت لرجل آخر فهل يرجع لها بعد؟ ألا تتنجس تلك الأرض نجاسة!! وفى سفر التثنية 24: 4، ومعنى ذلك أن الطلاق عند اليهود جائز، ولكن لا يجوز للرجل أن يتزوج مرة أخرى بمن طلقها إذا تزوجت برجل آخر وطلقت منه‏([3]).

    وحالة المسيحيين لم تختلف كثيراً عن حالة اليهود، فقد ورد في الإنجيل مواضع تشير إلى إباحة الطلاق ومواضع إلى كراهته، ولذلك اختلف اتباعها فيما بعد اختلافاً شديداً حول تفسير موقف الإنجيل من الطلاق، فمنهم من يرى أن الإنجيل لم يبح الطلاق، وإنما أباح الفراق أو الانفصال الجسدي، ومنهم من يرى أنه أباح الطلاق لعلة الزنا فقط، ولم تستطع الكنيسة الغربية – بوجه أخص – فرض مبدأ عدم قابلية الزواج للانحلال إلا فى غضون القرن العاشر الميلادى([4]).

    الطلاق فى القوانين الوضعية في الدول الأوربية والغربية:

    وقد أصدرت كثير من الدول الغربية قوانين بإباحة الطلاق كحل أخير للحد من النزاعات الزوجية، ففى 1/11/1970 أقر البرلمان الإيطالى قانوناً بإباحة الطلاق فى حالات منها: الإصابة بالجنون، والسجن بسبب ارتكاب جريمة جنسية، والهجر لمدة خمس سنوات”، وفى أسبانيا عددت المادة الثالثة من القانون الصادر فى 2 مارس 1932 ثلاثة عشر سبباً لانحلال رابطة الزوجية بالحكم النهائى القاضى بالطلاق بين الزوجين مهما كانت الجهة المدنية أو الدينية التى عقدته.وفى ألمانيا يجيز القانون رقم 16 لسنة 1946 فى مواده 42-48 الطلاق لستة أسباب، وتوقعه المحكمة بناء على طلب أحد الزوجين متى رفعت دعوى التطليق فى الميعاد، ويجب أن تتخذ إجراءات للسعى فى الصلح بين الزوجين قبل توقيع الطلاق .

    وفى بريطانيا أجيز الطلاق بمقتضى قانون صدر سنة 1937 فأدخل تعديلات جوهرية على الأنظمة السابقة، وأباح صورا كانت محرمة من قبل كطلب الطلاق للهجر، والإساءة والمرض العقلى والعيب التناسلى الخطير.وفى فرنسا يجيز القانون المدنى الفرنسى الطلاق للزنا، ولسبب صدور حكم بعقوبة بدنية ضد أحد الزوجين، وكذا لاعتداء أحد الزوجين على الآخر، أو إساءة معاملته، أو إهانته.وفى أمريكا يحكم بالطلاق فى كثير من الحالات لأتفه الأسباب، والنتيجة أن معدل الطلاق فى أمريكا أعلى منه فى أى مجتمع آخر([5]).

    نظرات فى تشريع الطلاق في الإسلام

    ومما لا يخفى على مسلم أن الله تعالى جعل الناس خليفة في الأرض، وخلافة الإنسان تعتمد على التناسل والتكاثر، والتناسل المنتظم لا يحصل إلا بالنكاح الصحيح، ولذلك حث على النكاح وعلى التعدد في بعض الحالات، وكان الأصل في النكاح الاستمرار والدوام لا الانقطاع والتوقيت. ولذلك نهى الشارع النكاح المؤقت الذي هو نكاح المتعة، ورغب في المودة والوئام، ودعا إلى أسبابهما، فأمر المسلمين أن يصبروا على زوجاتهم حيث قالسبحانه: (وإن كرهتموهن فعسى أن تكرهو اشيئاً ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا)([6]).  وقال صلى الله عليه وسلم: ” لايفركمؤمنمؤمنةإنكره ‏منهاخلقاً،رضىمنهاخلقاًآخر”([7])-،ونهىالنساءأنيسألنأزواجهن ‏الطلاق: “أيماامرأةسألتزوجهاالطلاقمنغيربأسفحرامعليهارائحةالجنة “([8]).‏

    ولم يحرض الإسلام على الطلاق كما حرض على النكاح، فالنكاح هو الأصل والطلاق طارئ، فقد ورد ذكر الطلاق وأحكامه وآثاره ثلاث عشرة مرة فى القرآن الكريم، حظيت سورة البقرة بأكثرها‏، كما أن من سور القرآن الكريم سورة الطلاق، والمثير للانتباه أن أكثر الآيات وردت فى النص  ‏على أحكام الطلاق وآثاره، وآية منها فقط نصت على حلال طلاق، وتلك قوله تعالى: (لا ‏جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة).وهذا بخلاف النكاح فقد وردت آيات كثيرة تفيد إباحة النكاح.‏

    ولكن قد يعترض النكاح مايحول دون تحقيق أهدافه، أويطرأ مايمنع استمراره شرعاً، ففي مثل ‏هذه الحالات القليلة إن أبقينا على العلاقة بين الرجل والمرأة فقد تتبدل المودة بغضاً، والرحمة ‏سخطًا، ومن هناشرع الله سبحانه وتعالى الفرقة دفعاً للأضرار، ورفعاً لما ليس من حقها للزوم‏‏؛ فقد يكون أحد الزوجين عقيماً لا ينجب، ونفس الآخر تتوق إلى طلب الولد، وهو من مقاصد الزواج، وعليه جبلت النفوس، وقد يكون بأحدهما عيب من مرض معد، أو سوء عشرة لم يجد معها نصح ولا صلح ولا تقويم، فإن أبقينا على زواجهما كانت حياتهما نفورًا وخصامًا وإيذاءً، وعندئذ يكون من صالح الزوجين والمجتمع أن يفترقا تطويقاً لعنق الشر، وإغلاقاً لمنافذ الشيطان، وحماية للمجتمع، والكي آخر الدواء.

    بعض شبه الأعداء ودفعها:

    بعض المعاصرين ينادون بعدم وقوع الطلاق إلا بتراضى الزوجين عليه، بحجة أن الطلاق إنهاء لعقد لا ينشأ إلا بإرادتين فكيف يستبد أحد العاقدين فقط بإنهائه ؟

    وبأدنى تأمل فى أسباب التطليق فى الغرب المسيحى نجد أن المنادين بهذه الصيحة متأثرون جدًّا بتقنينات الغرب دون مراعاة لآثار الطلاق المالية التي هي من منظور الإسلام على عاتق الرجل، بينما يتحمل غرم الطلاق فى الغرب طالبه، إضافة أن هذه الدعوى صبعة التطبيق، لأنه قلما يمكن إنهاء الزوجية التى لا خير في بقائها برضى الطرفين، فقد تدعو الضرورة أحد الزوجين إلى التخلص من الزوجية بينما يتمسك الآخر ببقائها، مما يجعل مفسدة هذا النظام أعظم من المصلحة حيث يترتب عليه أحد أمرين:أولهما: بقاء العلاقة مع ما يكتنفها من بغض وكره وريبة لها أثرها المباشر على النشء، واحتمال وقوع ما لا يحمد عقباه من أحد الزوجين على الآخر.

    على أن إعطاء حق الطلاق للرجل يتفق والقوامة التى أعطاها الله له فى قوله سبحانه وتعالى:(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)([9]).فعلى الاعتبار الأول: الرجل أقرب إلى تحكيم النظر العقلى فى الأمور منه إلى الاستجابة إلى العاطفة، أما المرأة فهى على وجه العموم أقرب فى معظم حالاتها إلى الاستجابة للعاطفة.

    وعلى الاعتبار الثانى: فإن الرجل هو الذى تكلف كل مطالب الزواج والحياة الزوجية بعد من مهر ونفقات، فهو الذى تصيبه خسارة الطلاق فى ماله.ومع هذا فإن الشريعة الغراء لم

    تجعل هذا الحق للرجل مطلقا وإنما قيدته بقيود كثيرة، كما أنها لم تسلب المرأة حقها فى الخلاص من معيشة تضرها ورجل يؤذيها، فقررت حقها فى رفع أمرها إلى القاضى – متى ملكت مبررا قويا مقبولا للتفريق – ليطلق على الزوج مع استيفاء المرأة لكافة حقوقها المادية قبل الزوج.

    التدرج في الطلاق والتطليقات الثلاث:

    إن القرآن أرشد إلى الصلح بين الزوجين أولاً وإلى التدرج في الطلاق ثانياً، قال تعالى: (والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا بتغوا عليهن سبيلاً)([10])، وقال سبحانه أيضاً: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) ([11])، وقال أيضاً: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)([12]).

    فالإسلام لا يحث على الطلاق، فضلاً عن التطليق الثلاث بلفظ واحد، ومع اتفاق العلماء على هذا المعنى إلا أنهم اختلفوا فى وقوع الطلاق المتكرر لفظاً – كأن يقول لها: طلقتك ثلاثاً، فذهب جمهور العلماء إلى أنه واقع إلا ما نقل عن بعض التابعين من عدم الوقوع كما نقله الشوكاني وغيره، وهذه النقول لم تثبت، وإن ثبتت فهي شاذة لا تقوم بها حجة.

    والقائلون بوقوعه اختلفوا فى وصفه فذهب الأئمة الأربعة وأكثر العلماء إلى أنه يقع كما صدر من المطلق، فمن ضيق على نفسه لزمه([13])، وقد سئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من رجل طلق امرأته ثمانى تطليقات فقال ابن مسعود: فماذا قيل لك ؟ قال: قيل لى إنها قد بانت منك، قال ابن مسعود: أجل من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما تقولون “([14]) .

    وأما القول بأن التطليقات الثلاث بلفظ واحد إنما يعتبر تطليقة واحدة فقط فهو قول الظاهرية، رجحه ابن تيمية وابن القيم، وأخذ به بعض العلماء المعاصرين ممن ينسبون أنفسهم إلى السلفية، واستدلوا عليه بأدلة أكثرها من المعقولات، ولا تقوم حجة ضد الإجماع المنقول في المسألة من المذاهب المعتبرة.

    ومن أقوى أدلتهم من المنقول ما أخرج الشيخان عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا أمرًا كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم “.

    واستدلالهم بحديث ابن عباس رضي الله عنهما لا يصح؛ لأن رواية ابن عباس هذه شاذة، فإن حديث ابن عباس الواقع في الصحيحين إنما رواه عنه من أصحابه طاوس وأن جلة أصحابه رووا عنه لزوم الثلاث منهم سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة غيرهم، ولو سلمت صحته فلا تخلو من إشكال قوي، وهو أنه كيف يسوغ لعمر رضي الله عنه أن يفعل خلاف ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه من أشد الناس في دين الله وأشدهم عناية بالاتباع، وكيف يوافقه الصحابة مع علمهم بأنه خلاف ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، وبتسليم صحة الرواية تحتمل التأويل.

    واحتجوا أيضا بما رواه ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا في مجلس واحد قال: إنما تلك طلقة واحدة فارتجعها”. وهذا أيضاً لا يصح؛ لأن حديث ابن إسحاق وهم؛ وإنما روى الثقات أنه طلق ركانة زوجه البتة لا ثلاثاً([15])، فالحق أن الطلاق الثلاث – وإن لم يكن مما حث عليها الإسلام- جائز ويقع ثلاثاً.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    ([1])‏تحريرالمرأة،الأستاذ قاسم أمين، نشرالهيئةالمصرية للكتاب ص123.‏

    ([2])‏انظر: بحث الشيخ عطيةسقر بمجلةالأزهرالمجلدالخامس ص132.

    ([3])انظر: نظام الاقتصاد بين الاقتصاد والدين، د. ثروت أنيس الأسيوطي، دار الكتاب العربي ص 235.

    ([4])انظر: نظام الاقتصاد بين الاقتصاد والدين، د. ثروت أنيس الأسيوطي، دار الكتاب العربي ص 235.

    ([5])انظر: الأحوال الشخصية للأجانب في مصر، أ. جميل خانكي.

    ([6])سورة النساء: (34).

    ([7])رواه الشيخان.

    ([8])رواه مسلم.

    ([9])سورة النساء: (34).

    ([10])سورة النساء: (34).

    ([11])سورة النساء: (35).

    ([12])سورة البقرة: (229).

    ([13])بدائع الصنائع للكاساني (3/94)، المدونة (2/66-68)، أحكام القرآن لابن العربي (1/189).

    ([14])ينظر: شرح السنة للبغوي (5/431).

    ([15])انظر: بداية المجتهد لابن رشد (2/61).

  • مرثية: عبقري العالم. بقلم= علوي كوتي مولوي الكوتوري

    مرثية: عبقري العالم. بقلم= علوي كوتي مولوي الكوتوري

    رثاء  الفقيد المكرم الشيخ الوقور السيد عبد الرحمن (إمبتش كويا تنكل) العيدروسي الأزهري- كولامنكلام- والانجيري- كيرلا، الرئيس العبقري السابق لجمعية العلماء لعموم كيرلا (سمستا)

    خلق الإله الأرض ضرّة أبحُرٍ

    وخلالها أيضا شقوق الأنهُر

    وكذا السما والشمسَ والقمر  المضي

    وعلى النهار الليلَ كالمتكور

    فترى عجيب نظام عيش الحي في

    بر وبحر دون أي مُضرِّر

    لكن بها خير وشر فكِّروا

    أشواكَ ساق في مليك الأزهر

    فانعم بحلو واشكرن خلاقها

    واصبر على مرّ وعُذ عن أبتر

    ما بال عينك لا تكف دموعها

    في موت سيدنا الشهير الأزهري

    قد قدر الباري الحياة وموتة

    في كل حي لا تزال فصبّر

    لكن ممات البعض ثلم القوم لا

    يلتام في دهر بأي مجبّر

    منه الفقيد السيد المتبحر

    في العلم من علماء دنيا عبقري

    شيخ الرفاعيات أهل إجازة

    لطرائق شتى بها من أشهر

    قد حاز علما من فطاحل عصره

    ثم انتمى في باقيات أكبر

    من بعد “تَلْكَدَتُورَ” جامعَ قرية

    بسنين درّس بالعلوم لأكثر

    عطشُ احتياز العلم أيضا قاده

    صوب الدَّيُوبَنْدِ الشهير الأظهر

    بعد التخرج قاسميا سافرا

    حرصا إلى مصر معاهد أفخر

    متضلعا ألوان علم نابغة

    من جامعات القاهرة والأزهر

    فإذًا توظف في السنوسي جامعة

    في ليبيا المعروف خير محاضر

    فبنشر علم قد تشاغل أزمُنا

    ثُمْ بالمدينة والرياض كأجدر

    وله تصانيف بعلم تصوفٍ

    أدبٍ وتاريخٍ وغيرَى مُفْكر

    يُدرى بها أعماق حوض علومه

    عن كيرلا أمسَوا على تحير

    درٌّ تلألأ منه نور ساطع

    آفاقَ دنيا كلَّ فن مبهر

    وله تلاميذ عباقر في الدنى

    عجما وعربا ههنا ذِكرا حَري

    كُنَّمْ كُلَامْ متشرف بولادة

    وقبيلةً بالعيدروسي دُري

    ابنا لأول باقويِّ السادةِ

    سَيِّدْ مُحَمَّدْ كُتْشُ كُويَا المُشهَر

    (أضحت شريفة فاطمة) أمّا له

    أرِّخه للميلاد “طاءً” قصِّرِ

    هو ثامن الأسباط من أهل النبي

    بعد الثلاثين احسبن بمطهَّرِ

    فسعادة الشيخ الوقور السيد

    عبدٌ لرحمان بوسم مُسفِرِ

    يدعونه إِمْبِتْشِ كُويَا تَنْكَلُ

    لكنه المعروف باسم الأزهري

    العالم النحرير حبر ماهر

    في عالم الآداب خير مؤثِّرِ

    جمعيةَ العلما “سَمَسْتَا كَيْرَلَا”

    أمسى رئيس فخامة كالحيدر

    قد زال من دنيا إلى الرحمن في الـ

    اثنين والعشرين من شهر دُرِي

    تَشْرِينًا الثاني من الميلاد في

    سنة (تُلِظُّ جَوَّهَا بِتَحَسُّرِ)

    يا رب باركه بمرقده من ال

    جنات آلاءًا بدون تفتر

    واغفر له وارحم بغرفة جنة

    وامنح لنا معه الجميع وصبِّرِ

    يا رب صل على النبي معْ آله

    والصحب والأتباع حتى المحشر

  • تحصين الشباب المسلم بالعلم الشرعي المؤصل

    الأستاذ/ علي كوتي المسليار (  شيخ الجامعة النورية العربية، كيرالا، الهند)

    (مقالة بحثية قدمها فضيلته في مؤتمر السلام الدولي الذي انعقد تحت إشراف رابطة العالم الإسلامي في ماليزيا)

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين وسيد المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد،

    المقدمة

    فإن الإرهاب لم تخل منه أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، فقد كان ظاهرة من مظاهر الاضطراب السياسي في القرون السابقة ولا يزال هكذا في القرون الراهنة، فهناك إرهاب ديني وقَبَلي وطائفي، كما أن هناك إرهاباً تتولاه الدول ضد الشعوب كما نرى في إسرائيل ضد الفلسطينيين وفي بورما ضد مسلمي روهينجا،ومن المؤسف جداًّ أن يحاول بعض المغرضين الربط بين الإرهاب والإسلام، فإن ظاهرة الإرهاب لا تقتصر على دين أو على ثقافة أو على هوية معينة.

    وفكرة الإرهاب والأعمال الإرهابية كانت موجودة لدى شرذمة قليلة من المسلمين منذ القرون الأولى، ويشهد به التاريخ الإسلامي، فقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه كان عملاً إرهابياًّ بلا شك قام به بعض شباب المسلمين المنحرفين، وكذا قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجميع الطوائف المنحرفة متصفة ببعض سمات الإرهاب من الغلو والعنف والانحراف، وحمل النصوص على غير مقاصدها، وكانت الخوارج أول فرقة إرهابية في هذه الأمة، وكان فيهم جميع الصفات الموجودة في إرهابيي هذا العصر من حمل النصوص القرآنية على ظواهرها دون الجمع بين النصوص ودون اعتماد على أصول وقواعد، وكذا تكفير جمهور المؤمنين، والغلو في الدين، وسوء الظن بعلماء الدين، والاعتماد في تنفيذ مقاصدهم على القتل والعنف إلى غير ذلك من أساليب الإرهابيين.

    ومن المعلوم أن الإرهاب له دواعٍ وأسباب، وأنه لا يولد أحد إرهابياًّ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أوينصرانه أويمجسانه) ([1])، وكثير من الإرهابيين لا يقصدون تشويه الإسلام، بل يريدون إعلاءه وتعزيزه، ظناًّ منهم أن الأعمال الإرهابية هي الجهاد الشرعي، وأن العالم الإسلامي والدول الإسلامية مقصرون فيه، فقصدهم صحيح وطريقهم محرم، هم -كما قال تعالى-: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}([2]).

    وهناك أسباب كثيرة ودواعٍ عديدة ترمي الشباب المسلم إلى الإرهاب، منها أسباب شخصية وظروف أسرية أو ضغوط بيئية، كما أن هناك أسباباً اجتماعية، ودوافع سياسية واقتصادية.

    ويرجع جميع ذلك أصالةً إلى غياب العلم الشرعي المؤصل من شباب المسلمين، واتباع الهوى والعواطف النفسية([3]). قال تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، إنَّماَ يَتَذَكَّرُ أولُو الألْبَابِ}([4])،وقال سبحانه أيضاً: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}([5])، وقال أيضاً: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا }([6]).

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن الإرهاب، والعنف والتطرف في أمور الدين، وأشار إلى أن الغلو من أخص أوصاف الإرهابيينحيث قال: (سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة)([7]).

    ولا حل لهذه المشكلة إلا الرجوع إلى سيرة السلف في فهمهم الدين وأسلوبهم في الدعوة، كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([8]).

    وأريد في هذه العجالة أن أختصر أسباب الإرهاب، التي لها صلة بالعلوم الشرعية- وإن كان هناك أسباب أخرى خارج هذا الموضوع-، وأقدم بعض الحلول لهذه المشكلة، وبالله التوفيق.

    القسم الأول: الأسباب العلمية للإرهاب

    لا خلاف بين علماء المسلمين والهيئات الشرعية أن الإرهاب ليس من الإسلام، وأن الجهاد الشرعي غير الإرهاب والعنف والتطرف، وأن ما يفعله الإرهابيون من قتل الأبرياء وتعذيب المؤمنين والدمار لممتلكات المؤمنين وممتلكات الدول الإسلامية محرم أشد التحريم ومعدود من الكبائر، وأنه من محاربة الله ورسوله، وقد نص عليه كثير من الجمعيات والهيئات الإسلامية كالمجمع الفقهي الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.

    ولا يخفى أن معرفة السبب تحدد نوع العلاج وصفة الدواء، فلا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب، وأسباب الإرهاب -كما تقدم- تتنوع إلى عقدية وعاطفية، وإلى اجتماعية وعلمية، وإلى شخصية وأسرية وغيرها، ومن أهم الأسباب العلمية للإرهاب ما يلي:

    السبب الأول: القصور في فهم نصوص الشرع:

    من أهم أسباب وقوع الشباب المسلم في الإرهاب القصورُ في فهم نصوص الشرع، والأخذُ بظواهر النصوص دون فقه ولا قواعد الاستدلال، ولا جمع بين النصوص، ولا اعتمادعلى فهم العلماء وأقوالهم، ودون نظر في أعذار الناس فيما يأتون ويتركون، وخصوصاً المسائل التي لها صلة وثيقة بشبهات الإرهابيين، مثل: النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في الجهاد والتحريض عليه، وفي فضائله الجهاد ومواضعه، ومثل: قضية الولاء والبراء، وقضية التكفير، فكثير من الشباب يدرسون هذه النصوص حرفياًّ، فعلى سبيل المثال: يدرسون الآيات الواردة في الجهاد عن طريق ترجمات القرآن أو عن طريق الوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية والأشرطة، أو عن بعض العلماء القاصرين في الفهم أو المقصرين في البيان، ولا يتعمقون في دراسة النصوص، بفهم سياق الآيات وأسباب النزول، والتأويلات التي ذكرها العلماء والجمع بين الأدلة، بل لا يعتمدون على أقوال الفقهاء أصلاً، ويستنبطون الأحكام التي توافق هواهم، بدون اعتماد على أقوال العلماء أو على قواعد أصولية.

    ولا شك أن الترجمات الحرفية– الظاهرية- لنصوص الشرع وإن كان لها إيجابيات في تبليغ ضوء الإسلام إلى العالم إلا أن لها سلبيات أيضاً، فمن سلبياته أن قارئها يظن نفسه أنه فهم النصوص حق الفهم، ثم يطبق الفهم المنحرف على حياته وأفكاره وعلى حياة الآخرين وأفكارهم، ويتسبب للتشدد والعنف والإرهاب.

    السبب الثاني: سوء الظن بعلماء المسلمين

    ومن أهم أسباب الإرهاب – خصوصاً في الدول العربية- سوء ظن بعض الشباب بعلمائهم وحكامهم، والطعن في نواياهم، فيطيلون ألسنتهم على العلماء الربانيين، ويستهزئون بنصائحهم وفتاواهم، وينظرون إليهم بمنظار أسود، ويتهمونهم بالمداهنة للحاكم، وأنهم مشايخ الدولة، وأنهم – خصوصاً الذين يتولون مناصب حكومية – لا يؤدون حقهم تجاه الأمة الإسلامية، ولا ينصحون الأمة، ولا يهمهم إلا أنفسهم ومناصبهم، وهذه الفكرة الخاطئة منتشرة بين كثير من الشباب المسلم وطلبة العلم، – خاصةً الشباب الذين وقعوا في حبائل الإرهاب -، بل بلغ بهم الأمر أنهم يتهمون هذا الاتهام بالعلماء السابقين في غير القرون المفضلة. وأصل هذه الفكرةعدم فهم حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن بيده تغيير المنكر بالقوة، وعدم الاطلاع على مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.

    السبب الثالث: الغلو في الدين

    إن مما يسرنا هذا الوعي الإسلامي المنتشر بين شبابنا ورجوعهم إلى الدين في كافة أنحاء العالم، والتزامهم بالأحكام الدينية وتثقفهم بثقافة الإسلام، ولكن الأسف أن هذا الرجوع الملحوظ غير مثقَّفٍ بالعلوم الشرعية، مما يؤدي إلى الغلوِّ في الدين والتشدد في الالتزام، حيث يظنون أن الغلو في المعتقدات والتشدد في تطبيق الشرع هو الالتزام الصحيح بالدين؛ لأن الفارق بين الغلوِّ المذموم والاعتدال الممدوح هو العلم الشرعي الصحيح، ففي ظل غياب العلم الصحيح يقعون في ورطة الغلو والتشدد، وهذا الغلو كثيراًما يؤديهم إلى الفكرة الإرهابية؛ لأنهم ينظرون إلى الآخرين المعتدلين كأنهم مقصرون في أمرالدين أو خارجون عنه تماماً، خصوصاً إذا تربوا في بيئةٍ تحملُ أفكارَ الغلو، مثل بعض البيئات الجهادية؛ لأن عامة مراجعهم ليس لديهم من العلم الشرعي ما يتمكنون به من دفع شبه أولئك الشباب، فحملوا تلك الأفكار وتبنوا العنف منهجًا للإنكار والتغيير.

    ومن دلائل هذا الغلو وعدم الإحاطة بآفاق الشريعة ميلهم دائمًا إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات.

    وقد حذر القرآن والأحاديث النبوية عن هذا الغلو والتطرف- سواء كان في المعتقدات أم في العبادات-،حيث قال تعالى:{ قُلْيَا أهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فيِ دِينِكُمْ ولاَ تَقُولُوا علَى الله إلاَّ الحقَّ }([9])، وقال سبحانه: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ }([10]).

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلوَّ في الدين وإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)([11]).

    وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: ( هلك المتنطعون)([12]).قال النووي- رحمه الله- في شرحه: أي المتعمقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم([13]).وقال أيضاً: ( إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)([14]).

    السبب الرابع: التصدر قبل التأهل

    ومن أسباب الإرهاب تصدر الشباب قبل التأهل، فالجيل الجديد لهم حب الاستغناء عن الغير – سواء كان في أمور الحياة أم في أمور الدين-، فيكرهون الاعتماد على الغير، وكلُّ مَن عنده نصيب من العلم يجعل نفسه مفتياً وشيخاً، فكم عندنا من المفتين في البلاد- خاصةً في المواقع الإلكترونية! -فكثرت المذاهب والأفكار، فالانحلال من المذاهب الأربعة المتبعة أوقعهم في ألف مذهب، وعدم تقليد الأئمة الأربعة جعلهم يقلدون مئات المشايخ! ولا شك أن هذا الانحلال تسبب في نشأة الإرهاب؛ لأنهم يتبعون آراءهم ولا يقيمون لعلماء الأمة وزناً، ولا يعتمدون على أقوال الفقهاء أي اعتماد.

    ومن المقرر أن الفكرة الإرهابية متفرعة عن استقلال الأفكار والاستغناء عن أقوال العلماء، فالإرهابيون لا يعتمدون على فتاوى العلماء الراسخين ونصائحهم أبداً، بل كثير منهم يستنقصونهم ولا يعرفون لهم قدرهم، وإذا أفتى بعضهم بخلاف مواقفهم أخذوا يلمزونهم إما بالقصور أو التقصير،أو بالجبن أو المداهنة، أو بالسذاجة وقلة الإدراك ونحو ذلك!

    وبعدما انضموا إلى الطوائف الإرهابية قلدوا علماءهم وقضاتهم اختياراً أو اضطراراً، غالبهم من الجيل الجديد، الذين لم يعرفوا الإسلام إلا عن طريق الترجمات أو المواعظ العامة أو المواقع الالكترونية، ولم يتفقهوا على العلماء الراسخين ولم يتمكنوا في علوم الشريعة وآلاتها، فأفتوا بغير علم، وحكموا بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوع إلى أهل الفقه والرأي.

    وهذا التصدر قبل التأهل كما أنه من أسباب الإرهاب كذلك من أشراط الساعة، وقد أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل)([15])، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) ([16])، وقال صلوات ربي وسلامه أيضاً: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)([17]).

    السبب الخامس: الجهل بمقاصد الشريعة

    ومن أسباب الإرهاب الجهلُ بمقاصد الشريعة الغراء، وفهمُ النصوص الشرعية فهماً قاصراً وحملُها على ظواهرها دون اعتبار القواعد والضوابط، ودون تفريع الفروع على الأصول، ودون التفات إلى مقاصد الشريعة، ولا الضروريات الخمس التي جاءت الشرعية بحفظها من الدين والنفس والعقل والمال والعرض. والفهم بمقاصد الشريعة هو لب الفقه وأصل الاستنباط، قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: “الفقه في الدّين هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها”([18]). فالجهل بها جهل بالشريعة، وقد تسبب هذا لجذب طائفة من الشباب المسلم إلى فكرة الإرهاب.

    وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة في حديث ذي الخويصرة: “إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرَهم يمرقون من الدين مروقَ السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان”([19]).

    قال الشاطبي- رحمه الله- في شرحه:”… وبيَّن من مذهبهم في معاندة الشريعة أمرين كليين أحدهما: اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول، وهو الذي نبه عليه قولُه في الحديث (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض ويضاد المشي على الصراط المستقيم … والثاني: قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان على ضد ما دلت عليه جملة الشريعة وتفصيلها … فهذان وجهان ذكرا في الحديث من مخالفتهم لقواعد الشريعة الكلية اتباعاً للمتشابهات”([20]).

    السبب السادس: ظاهرة التكفير

    الغلو في المعتقدات والتشددُ في تطبيقِ الأحكام الشرعية مع القصور بمقاصد الشريعة وقواعدها أدى بعض الشباب الملتزمين إلى تضليل جماهير المسلمين وتكفيرهم، فحكموا بذلك على الأشخاص والجماعات والأنظمة دون تثبت، أو اعتبار للضوابط الشرعية في باب التكفير، ورتبوا على ذلك استباحة الدماء والأموال، والاعتداء على حياة الناس الأبرياء، الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، والاعتداء على مصالحهم العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها.

    وقد حذر الإسلام عن تكفير أي مسلم بغير برهان من الكتاب والسنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما) ([21]). وحرم الإسلام دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)([22]).

    ولا زال العلماء والفقهاء يحتاطون في مسألة التكفير ويحذرون من خطورته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فإن الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله وتصديق ما أخبر الله به رسوله”([23]). وسيأتي له زيادة تفصيل إن شاء الله.

    القسم الثاني: الحلول العلمية

    الأول: ضرورة التغيير في المناهج التعليمية:

    أولاً: في المدارس الابتدائية والثانوية:

    إن المناهج الدينية المقررة في مدارسنا تحتاج إلى مراجعة دقيقة، فالمناهج الجارية في مدارس الدول الإسلامية- خصوصاً إلى المرحلة الثانوية- فيها نقص الوعي الديني، فهي لا تؤهل الطفل مثقفاً بالثقافة الإسلامية، بل ترتكز على تعليم بعض النصوص الشرعية من حيث المعنى الظاهري اللغوي، ولا تلبي حاجات الطلاب في توعيتهم في أمور دينهم، ولا شك أنه يكون له الأثر السلبي على سلوك الأفراد وثقافاتهم واتجاهاتهم.

    فمن اللازم تغيير هذا الأسلوب، فبدلاً من سرد المعلومات يجب التركز على العلوم التربوية المشتملة على الآداب الشرعية والقيم الإسلامية والحقوق الإنسانية- مثل حقوق الآباء على الأولاد، وآداب الطلاب تجاه المشايخ والعلماء، وحقوق الجيران والأقارب وحقوق المسلمين بعضهم مع بعض-، ويكثر فيها من قصص الأنبياء والسلف من العلماء والزهاد والصالحين؛ كي تزرع في قلوب الأطفال حب الدين وتقليد الآداب الشرعية واحترام العلماء والصالحين، كما ينبغي أن يكون المعلمون قدوة للطلبة وذوي حياة مثالية -وإن لم توجد عندهم شهادات علمية عالية-، فإن هذه المرحلة مرحلة التقليد، الطلاب يحاولون أن يقلدوا أساتذتهم في السير والسلوك، فعلى من يقوم على المعاهد الدينية أن يختاروا من المعلمين ذوي السيرة المحمودة والسلوك الديني لغرس روح الشريعة في قلوب الأطفال.

    ثانياً: ما بعد المرحلة الثانوية:

    يجب أن نعيد النظر في مناهج الدراسة في المرحلة الجامعية -العالية والعليا-، بحيث يكون العلم مؤصلاً ومبنياً على القواعد الشرعية والضوابط الأصولية، ولا يكون بث المعلومات فقط. فيجب أن يكون المنهج يشتمل على ما يلي:

    1 – دراسة النصوص الشرعية دراسة تأصيلية:-

    فبدلاً من سرد النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وشرح كلماتها شرحاً لغوياًّ يجب بيان سياق الآيات وأسباب نزولها وبيان الظروف التي وردت فيها الأحاديث النبوية، ففهم النصوص بدون فهم سياقها سبب الضلال والاختلاف، فعن إبراهيم التميمي- رحمه الله- قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم، فجعل يحدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيّها واحد وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، وقال:أعد علي ما قلته، فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه”([24]).

    وقال الشاطبي- رحمه الله- في الموافقات: “أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حالَ الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطِب أو المخاطَب أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين وبحسب مخاطبين وبحسب غير ذلك، كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معانٍ أخرُ من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد”([25]).

    كما يجب شرح معاني النصوص وفق ما شرحه العلماء دون الاقتصار على الشرح اللغوي، ويجب بيان أقوالهم والنقل من كتبهم المعتمدة، وتعليم كيفية الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وهكذا كان منهج الدراسة في القرون السابقة، لم يكن قصدهم إلى تكثير المعلومات المتشتتة، بل كانوا يعتمدون على التفقه والتعمق في العلم وإيجاد ملكة الاستنباط والفتوى، مما جعلهم ذوي بصيرة وضبط في العلوم الشرعية.

    2 – أصول الفقه وضوابط الفتوى والاستدلال:-

    فبعد ما وقع تحريف النصوص عن مواضعها وحملها على غير مقاصدها تظهر جلياًّ أهمية دراسة أصول الفقه وضوابط الاستنباط واستخراجِ الأحكام من النصوص الشرعية ومن الجمع بين النصوص والترجيح بين الأدلة. وأصول الفقه هو الذي يتكفل بهذا الموضوع، إذ يبحث عن الأدلة الشرعية وكيفية استنباط الأحكام منها، وصفات المجتهد إلى غير ذلك مما يحتاج إليه الفقيه.

    3– مقاصد الشريعة كمادة مهمة:-

    فمن أسباب الإرهاب الجهل بمقاصد الشريعة كما سبق، وهي الحِكَمُ والمصالح التي شرعت لها الأحكام والتي تعود إلى إقامة المصالح الأخروية والدنيوية. ويدخل فيها بيان وسطية الإسلام ولزوم حفظ الضروريات الخمس من الدين والنفس والعقل والعرض والمال؛ فإن حفظها هو المقصد الأصلي من التشريع. قال الشاطبي- رحمه الله-: “فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري”([26]).

    فعلى سبيل المثال: المقصود من تشريع الجهاد تعزيز الإسلام والنكاية بأعدائه، فمتى لم توجد هذه المصلحة بأن كان المقتولون مسلمين أو ليس هناك تعزيز للدين لم يشرع هناك الجهاد، كما في واقعة صلح الحديبية، فقد كانت الصحابة رضي الله عنهم يرون الصلح ذلاًّ للمسلمين واستسلاماً أمام الكفار، فطلبوا الجهاد واختاروه على التصالح مع الكفار، وحدث يومئذ من المواقف العاطفية ما هو مشهور في كتب التاريخ، ولكن الشارع علم أن المصلحة في ترك الجهاد وقبول الصلح.

    ذكر العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “فإن قيل: لم التزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدين؟ قلنا: التزم ذلك دفعاً لمفاسد عظيمة، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة لا يعرفهم أهل الحديبية وفي قتلهم معرة عظيمة على المؤمنين، فاقتضت المصلحة إيقاع الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إلى المؤمنين وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين، مع أن الله عز وجل علم أن في تأخير القتال مصلحةً عظيمةً وهي إسلام جماعة من الكافرين”([27]).

    وليس المقصود إيراد الأمثلة الكثيرة، فهي لا تحصى، بل قصدي التنبيه على وجوب إدخال هذه المادة – مقاصد الشريعة- كمادة أصلية في المناهج، حتى يعرف الطلاب مصالح الأمة ومفاسدها.

    4- بيان المصطلحات الشرعية وضبطها بضوابط واضحة، وخاصةً الكلمات التي يتشبث بها الإرهابيون، كمصطلح الجهاد، ودار الحرب، وحقوق ولي الأمر، وحقوق الراعي على الرعية، والولاء والبراء، والعهود عقدها ونقضها، والتعامل مع المعاهد والمستأمن؛ فإن بعض المسائل الفقهية صارت مسائل عقدية عند الإرهابيين، كالجهاد الشرعي، فله شروط وآداب وموانع مفصلة في كتب الفقه، فليس الجهاد واجباً مطلقاً بل هو واجب مقيد، ولا يطلع على هذا الفرق إلا ببيان هذه المصطلحات.

    5 – أدب الخلاف:

    الإرهابيون لا يؤمنون بالحوار مع الآخر، ولا يعترفون بحرية الدين أو التعامل مع الأجنبي وبقائه في البلاد الإسلامية، فيجب أن يكون منهجنا الدراسي في المراحل العليا يشمل أدب الخلاف بين الأديان المختلفة، وكذا بين الفرق الإسلامية، وبين المذاهب الفقهية، وأن يتضمن قيم الحوار والنقد والتعايش، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }([28]).وقد أشار تعالى إلى أدب الخلاف مع الكفار بقوله: { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }([29]).

    وكما نرى ذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع اليهود في المدينة وكفار قريش في مكة، وفي صلح الحديبية وفي سيرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تعامله مع الخوارج بإرسال ابن عباس لكشف شبههم، وكل ذلك يدلنا على أدب الحوار والنقد ورعاية مصلحة المؤمنين.

    6- الاهتمام بإبراز محاسن الدين الإسلامي والأخلاق الدينية السامية، والآداب الشرعية، وحقوق المسلمين بعضهم مع بعض، وبيان الحياة الاجتماعية في الإسلام وأهمية لزوم الجماعة وعدم الشذوذ في الأفكار والتعامل. قال صلى الله عليه وسلم:( عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة )([30]) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)([31]) إلى غير ذلك من الأحاديث المشهورة.

    7- الاهتمام بعلوم العربية:

    وهناك نقص حادّ في دراسة علوم الآلات- علوم العربية من النحو والصرف والبلاغة- في مناهج الدراسة في الكليات والجامعات، أو هناك تقصير ملحوظ في الاهتمام بها؛ وأكثر المتخرجين من الجامعات ليسوا  متمكنين في علم النحو والصرف والبلاغة، وحتى كثير من الأساتذة ليس لديهم من علوم العربية ما يمكِّنهم أن يدرِّسوا الكتب بدون أخطاء نحوية، وأظهر من هذا الأخطاء النحوية والصرفية بين الخطباء، ولا نكاد نسمع خطبةً من خطب الجمعة إلا وفيها أخطاء فادحة مما يدلنا على لزوم الاهتمام بهذه المادة في المناهج الدراسية، وكما نعرف أن النصوص الشرعية في اللغة العربية بل في غاية البلاغة والفصاحة، فما دام الطالب لم يتمكن في علوم العربية لا يستطيع فهم الكتاب والسنة، ولذلك اشترط الأصوليون في المجتهد أن يكون بصيراً باللغة، كما سيأتي عن الشافعي- رحمه الله-، وفهم النصوص بدون التمكن في اللغة يوقعه في فهم خاطئ مما يؤدي إلى انحراف الأفكار، وربما إلى الإرهاب.

    الثاني: كون المشايخ والأساتذة ذوي الكفاءة العالية

    قال الشاطبي- رحمه الله- في الموافقات: “من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذُه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام”([32])، وقال في تفصيل هذا الكلام: “فلا يؤخذ إلا ممن تحقق به وهذا أيضاً واضح في نفسه، وهو أيضاً متفق عليه بين العقلاء، إذ من شروطهم في العالم بأيِّ علم اتفق أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم، قادراً على التعبير عن مقصوده فيه، عارفاً بما يلزم عنه، قائماً على دفع الشبه الواردة عليه فيه، فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه وعرضنا أئمة السلف الصالح في العلوم الشرعية وجدناهم قد اتصفوا بها على الكمال”([33]).

    ومن مشاكل العصر قلة العلماء الراسخين الذين يعتمد عليهم ويرجع إليهم المسلمون في معضلات دينهم ومشكلات حياتهم، كما حذر منه  النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) ([34])، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( لا يزال الناس بخيرٍ ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا)([35]).

    وإدارة الجامعات الإسلامية والمعاهد الدينية توظف الأساتذة والمعلمين استناداً إلى شهاداتهم- وليس أمامها إلا ذاك-، ومن المعلوم أن حصول الشهادات أمر سهل في هذا العصر، وفي أكثر الأحوال ليست الشهادات دليلاً على مهارة الشخص وكفاءته العلمية، والأساتذة والمعلمون غير المؤهلين يعود ضررهم على الطلبة، إذ الجيل الجديد يعيش في ظروف غير ظروف الأساتذة، ويختلطون بمجتمعات غير الإسلامية وذوي أفكار زائعة، فلديهم وقائع ومستجدات، ولهم إشكالات وصعوبات يواجهونها، ولا بد أن يكون الأساتذة والمشايخ قادرين على إقناعهم، وإزالة شبههم في أمور الدين وإرضائهم بمحاسن الشريعة، قبل أن تنفر نفوسهم عن هذا الدين الحنيف وتنحرف أفكارهم عن الصراط المستقيم.

    الثالث: وضع ضوابط للإفتاء والمفتي

    قال مالك- رحمه الله-:”ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعاً لذلك؟ سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نهوك؟ قال: كنت أنتهي”([36]).

    قال الشافعي– رحمه الله-: “لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيراً باللغة بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي”([37]).

    ونقل الإمام ابن القيم – رحمه الله- في إعلام الموقعين: “وقال محمد بن عبد الله بن المنادي: سمعت رجلاً يسأل أحمد إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيهاً؟ قال: لا، قال: مائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف، قال: لا، قال: فأربعمائة ألف، قال: بيده هكذا وحرك يده” قال أبو الحسين وسألت جدي محمد بن عبيد الله قلت: “فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل قال أخذ عن ستمائة ألف”.

    “قال القاضي أبو يعلى: “وظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى”([38]).

    وهذا بالنسبة للمجتهد المطلق كما هو ظاهر للمتأمل، إلا أنه يدل على خطورة التكلم في حكم الله؛ لأن المفتي يحكم بحكم الله، فينقل الحكم عن الله، فيقول: إن حكم الله في المسألة كذا وكذا، ولا يقول: إن حكمي في المسألة كذا وكذا، فالإفتاء في المسائل الشرعية يتوقف على كثير من الضوابط والشروط كما نبه عليه الشافعي- رحمه الله-، إضافة إلى أن الإفتاء يتوقف على معرفة مقاصد الشريعة ومصالح الناس، ولا يدركها إلا الراسخون في علم الشريعة، وتفاصيل أحكامها، وغايات تشريعاتها. وأما غير الراسخ في العلم فيأخذ بجزيئات من النصوص، ويقول فيها برأيه، فيعطل مصالح عامة معتبرة، وربما اقترن بالجهل بالمقاصد بعض الأهواء الكامنة في النفوس الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل، والمانعة من الاعتراف بالعجز فيما لم يصل إليه علم الإنسان.

    ومما أصاب كثيراً من العلماء – إلا من وفقه الله- حب الشهرة والسمعة والجاه أمام المجتمع، مما أداهم إلى نصب أنفسهم مفتين (وخاصةً في المواقع الإلكترونية)، فيحكمون في دين الله بدون فقه ولا علم، ولا ضوابط لفهم الأدلة، وضرره على المجتمع كبير، فالعوام يتحيرون بين الفتاوى المضطربة في موضوع واحد، ولا شك أن للفتاوى الخاطئة تأثيراً بليغاً في تضليل الشباب، لاسيما طلبة العلم، وفي زرع فكرة الإرهاب والتشدد في قلوبهم.

    فيجب على السلطات الدينية والحكومات الإسلامية وضع حدّ لهذه الظاهرة، ووضع ضوابط لإصدار الفتاوى، ووضع الشروط والقيود لمن ينصب نفسه مفتياً، كما يجب تحذير الأمة من ضرر الفتاوى الخاطئة، وترغيبهم على الأخذ بالفتاوى الجماعية والقرارات الصادرة من الهيئات الشرعية الموثوقة والتي تتضمن الفقهاء الراسخين، كالمجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ومجمع الفقه الإسلامي بجدة ونحوهما، منعاً لانتشار فكرة التضليل والإرهاب بين الأمة وترويجها بين الشباب.

    الرابع: الحد من ظاهرة الترجيح بين المذاهب بدون قواعد

    ولا أقصد به التشجيع على التقليد الأعمى والجمود الفكري، ففي ضوء المستجدات والوقائع لا بد من علماء حاذقين يستنبطون أحكامها، ويحلون مشاكلها، ولكن الذي أشير إليه أن إرسال العنان في باب الترجيح بين أقوال العلماء بدون أي ضوابط وأصول صار سبباً لاضطراب الفتاوى المعاصرة، حتى صار الترجيح بين المذاهب شيئاً عادياًّ بين طلبة العلم، فكثير من الطلاب الجامعيين يرجحون آراءهم بما عندهم من أحاديث معدودة – ثلاثة أو أربعة مثلاً-، ويحكمون بها على الأئمة الأربعة الذين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث وحرروا مذاهبهم منها! وبعض الأساتذة يشجعون الطلاب ويمرِّنونهم على اختيار ما ترجح عندهم من أقوال العلماء! وهذا أسلوب خاطئ يجب اجتنابه، وخطر هذا الأسلوب من وجوه:

    أولاً: اتباع الهوى في دين الله؛ لأن هذا المرجِّح لا يعلم في المسألة إلا طرفاً من الأحاديث المعدودة لا أكثر، ولم يحط بمواقع الإجماع، ولا شروط القياس، وليس عنده أي ضوابط وقواعد للترجيح.

    ثانياً: قلة الاحترام مع العلماء السابقين كالأئمة الأربعة وغيرهم؛ لأنه يعدهم غير مطلعين على ما عنده من الأحاديث! أو مقصرين في الاجتهاد!

    ثالثاً: حرية الفكر في المسائل الدينية تؤديه إلى فكرة الاستغناء وعدم الاعتماد على العلماء.

    رابعاً: يسبب لزرع فكرة الضلال والغلو والإرهاب في نفسه؛ لأنه يفهم الدين بنفسه من عموم الآيات والأحاديث بدون أصول وضوابط.

    وأشد من هذا خطراً أن بعض الطلبة يدعون أنهم أهل الاجتهاد من النصوص الشرعية، وأحياناً يرددون كلام الإمام الشافعي: “نحن رجال وهم رجال”!! وكم كان السلف يحتاطون في باب الاجتهاد، وكم كان الفقهاء في القرون السابقة يتحرزون من ادعاء الاجتهاد كما سبق من أقوال الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهم الله.

    فلا بد من تغيير هذا الأسلوب من الجامعات والكليات.

    الخامس: التحذير من الغلو والاحتياطُ في مسألة التكفير

    الغلو في العقيدة أصل أصيل في نشأة الإرهاب، وقد نهانا الإسلام عن الغلو في العقيدة والأعمال، قال تعالى: { قل يَا أهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فيِ دِينِكُمْ ولاَ تَقُولُوا علَى الله إلا الحقَّ }([39])، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلو في الدين وإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)([40])،ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلوّ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه “([41]).

    والغلو في العقيدة أصل تكفير جمهور الأمة وتضليلهم، وهذا التكفير والتضليل من أهم سمات الإرهاب، بل هو أهم أسبابه، وللأسف، أن بعض المنسوبين للعلم – خصوصاً بعض المتشددين في السلفية والغالين في التصوف-، أطلقوا عنان ألسنتهم في تكفير بعض المسلمين بسبب وقوعهم في المخالفات الشرعية عندهم- العقدية أو العملية-، حتى صار ذلك تبادلاً بالتكفير بين الفريقين، وهكذا بدأ الغلو في القرون السابقة عن طريق التبادل بين الطوائف المختلفة، فالخوارج غلوا في الوعيد، فقابلهم المرجئة بالغلو في الوعد، وبدعة الجبرية كانت ردة فعل لبدعة القدرية، والشيعة غلوا في علي رضي الله عنه، فقابلهم الخوارج بتكفيره، والمعتزلة غلوا في التنزيه بنفي الصفات، والممثلة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه.

    ولا يخفى على العلماء خطورة قضية التكفير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما) ([42])، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([43]).

    ولا زال العلماء والفقهاء يحتاطون في مسألة التكفير ويحذرون من خطورته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فإن الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله وتصديق ما أخبر الله به رسوله”([44]).

    ويقول الغزالي -رحمه الله- :”والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم … وهذه الفرق منقسمون إلى مسرفين وغلاة، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد يرى تكفيرهم وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر. وتفصيل آحاد تلك المسائل يطول، ثم يثير الفتن والأحقاد، فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يحركهم التعصب واتباع تكفير المكذب للرسول، وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلاً ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بد من دليل عليه، وثبت أن العصمة مستفادة من قول لا إله إلا الله قطعاً، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع”([45]).

    ولذلك وضع الفقهاء شروطاً وضوابط للتكفير، من أهمها ما يلي:

    1-             وجوب التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين:

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ( إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه)([46]).

    2- أن يكون عالماً بأن فعله مكفِّر، فلا يكفر إن كان جاهلاً كأكثر عوام المسلمين.

    3-    أن يقول الكفر أو ما يفعله مختاراً مريداً فلا يكفر المكره على فعل أو قول الكفر .

    4- ألا يكون له شبهة أو فتوى عالم بجواز ما يفعله بخلاف ما إذا كان هناك من الفقهاء بجواز ذلك،  فلا يكفر؛ لأنه متأول في فعله أو قوله، كما هو الحال في كثير مما يفعله العوام.

    إلى غير ذلك من الشروط والضوابط.

    وكان خطر هذا التساهل في التكفير أشد مما توقعه هؤلاء المكفرون، ولعل هدفهم صحيح من تحذير الأمة عن الأمور الشركية والبدعية ونصحهم باجتنابها، إلا أن طائفة من الجيل الجديد تربوا على هذا الأسلوب ونشأوا على التساهل وعدم الاحتياط في مسألة التكفير، وتشددوا في نسبة عوام المسلمين إلى الضلال مما جعلهم يعتقدون بكفر جمهور الأمة الإسلامية، وبكل صراحة، أن هذا الأسلوب الخاطئ في الدعوة قد ساهم بدور كبير في جعلهم غلاةً إرهابيين ومتشددين في تطبيق الأحكام الشرعية، وخيرُ شاهدٍ على هذا أن الطوائف الإرهابية المتشددة – مثل داعش، وجبهة النصرة، وبوكو حرام- ينسبون أنفسهم إلى السلفية وأدخلوا الكتب السلفية في المناهج المدرسية في المناطق التي استولوا عليها.

    ومع ذلك لا بد من إعادة النظر في أسلوب دعوتنا، فيجب علينا تربية الجيل الجديد على وعي كامل بخطورة التكفير ونحرضهم على طلب العذر لعوام المسلمين إن وقعوا على المخالفات الشرعية، وندخل في المناهج الدراسية ما يحتاج إليه في هذا الموضوع. – وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

    المراجع

    1-            القرآن الكريم.

    2-            صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422هـ.

    3-            صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

    4-            مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد ، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ – 2001 م.

    5-            سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

    6-            سنن البيهقي الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز – مكة المكرمة 1414 – 1994.

    7-            سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمدبن شعيب النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، الطبعة الثانية 1406هـ – 1986م.

    8-            سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي،دار الفكر – بيروت.

    9-            سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي السلمي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون دار إحياء التراث العربي – بيروت.

    10-        المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد,‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين – القاهرة 1415.

    11-        حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الرابعة 1405هـ.

    12-        شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زعلول، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ،

    13-        مدارج السالكين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي المعروف بابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الثانية ، 1393 – 1973.

    14-        مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تحقيق: أنور الباز – عامر الجزار، دار الوفاء، الطبعة الثالثة 1426 هـ / 2005 م.

    15-        قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، تحقيق:محمود بن التلاميد الشنقيطي، دار المعارف، بيروت – لبنان.

    16-        الموافقات في أصول الفقه، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت- لبنان.

    17-        إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة، 1388هـ/1968م.

    18-        الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، مكتبة الشاملة.

    19-        الفقيه والمتفقه،أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، المعروف بالخطيب البغدادي، تحقيق : عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، الرياض،  سنة 1417ه.

    قرارات المجمع الفقهي الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، من الدورة الأولى (1398 هـ) – إلى الدورة التاسعة عشرة (1428هـ )

    ([1])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم: (1385)، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم: (2658).

    ([2])   سورة الكهف: الآية (104).

    ([3]) وقد أشار المجمع الفقهي في قراره رقم: 97 (1/17) في الدورة السابعة عشرة إلى أهم أسباب الإرهاب والانحراف، وهي ما يلي: ” أ- الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية، واستغلال ذلك في تجنيد عدد من شباب الأمة، ضمن عصابات البغي والإجرام والإفساد في الأرض ، انطلاقاً من مفاهيم استحلت تكفير المسلمين واستباحت دماءهم.ب- ضعف العلاقة بين العلماء الثقات وبعض الشباب، الذين لم يجدوا الرعاية والعناية التربوية الكافية، فانساقوا مع الغلاة من الناس واتخذوا من الفكر المنحرف منهاجاً.ج- تعدد مظاهر الانحراف عن دين الله، وخاصة في بعض وسائل الإعلام، مما أحدث في نفوس البعض ردة فعل، جعلتهم يغالون في التفكير، ويجنحون عن الإسلام وعّما تضمنه من الحث على الود والمحبة والتواصل والتعاون والتسامح والرأفة والرحمة بين المسلمين”.

    ([4])   سورة الزمر: الآية (9).

    ([5])   سورة الأنعام: الآية (153).

    ([6])   سورة الأحزاب: الآية (36).

    ([7])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقول الله تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}، رقم: (6930)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، رقم (1066).

    ([8])   سورة التوبة: الآية (100).

    ([9])   سورة النساء: الآية (171).

    ([10])   سورة النحل: الآية (116).

    ([11])   أخرجه النسائي في سننه، كتاب مناسك الحج، باب التقط الحصى، رقم (3057)، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، رقم (3029)، والإمام أحمد في المسند، رقم (1851)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب المناسك، باب أخذ الحصى لرمي جمرة العقبة وكيفية ذلك، رقم (9317).

    ([12])   أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، رقم (2670).

    ([13])   شرح صحيح مسلم للنووي (4/2055).

    ([14])   أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، رقم (39).

    ([15])   أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} شديدة {عاتية}، رقم (3344)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم (1064).

    ([16])   أخرجه البخاري، في صحيحه،  كتاب الاعتصام بالكتاب السنة، باب ما يقال من ذم الرأي وتكلف القياس، رقم (7307)، ومسلم في صحيحه، كتاب العلم،  باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، رقم (2673).

    ([17])   أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، برقم: (8140).

    ([18])   مجموع الفتاوى (11/354).

    ([19])   الموافقات (4/178-180).

    ([20])   الموافقات (4/178-180).

    ([21])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال رقم (6103).

    ([22])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع،رقم (67)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، رقم (1679).

    ([23])   مجموع الفتاوى (5/554-555).

    ([24])   أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم (2283).

    ([25])   الموافقات (3/347).

    ([26])   الموافقات (1/38).

    ([27])   القواعد الكبرى (1/109).

    ([28])   سورة النحل: الآية (125).

    ([29])   سورة الجاثية: الآية (18).

    ([30])   أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم: (2165)، والنسائي في سننه، كتاب الإمامة، باب التشديد في ترك الجماعة، رقم (847).

    ([31])   أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في قتل الخوارج، رقم (4760)، والترمذي في سننه، كتاب الأمثال، باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، رقم (2863)، والنسائي في سننه، كتاب قطع السارق، باب تعظيم السرقة، رقم (4872)، والإمام أحمد في المسند، رقم (21460) وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة في المصنف، والطبراني في الكبير، والبيهقي في السنن الكبرى وغيرهم.

    ([32])   الموافقات (1/92).

    ([33])   المرجع السابق.

    ([34])   سبق تخريجه.

    ([35])   أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (8/43).

    ([36])   المرجع السابق (2/209).

    ([37])   كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/38).

    ([38])   إعلام الموقعين (1/46).

    ([39])   سورة النساء: الآية (171).

    ([40])   سبق تخريجه.

    ([41])   مدارج السالكين (2/496).

    ([42])   سبق تخريجه.

    ([43])   أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، رقم (60).

    ([44])   مجموع الفتاوى (5/554-555).

    ([45])   الاقتصاد في الاعتقاد ص81.

    ([46])   مجموع الفتاوى (12/488).

  • الرسول القاضي

    السيد محمد كويا جمل الليلي الفيضي

    مفهوم القضاء ومشروعيته

    يمكن تعريف القضاء بأنه الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للنزاع. فهو من عمل الرسل عليهم الصلاة والسلام ، يدل على ذلك قوله تعالى : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ }{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } ، وقوله : { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ }

    ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة الخاتمة والدائمة كما كان مأمورا بالدعوة والتبليغ، كان مأمورا بالحكم والفصل في الخصومات. وقد ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات ما يشير إلى ذلك ، منها قوله تعالى : { احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } وقوله : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } وقوله : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }

    الحكمة من مشروعية القضاء

    القضاء أمر لازم لقيام الأمم ولسعادتها وحياتها حياة طيبة، ولنصرة المظلوم، وقمع الظالم، وقطع الخصومات، وأداء الحقوق إلى مستحقيها، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد، كي يسود النظام في المجتمع، فيأمن كل فرد على نفسه وماله، وعلى عرضه وحريته، فتنهض البلدان ويتحقق العمران، ويتفرغ الناس لما يصلح دينهم ودنياهم.

    وقد تواترت الآيات في وجوب الحكم بالعدل وتحريم الظلم ، ومن ذلك قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } والشنآن هو البغض والشقاق . وقال تعالى : { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } وفي الحديث القدسي : « قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا »

    الهدي النبوي في القضاء

    إن سيدنا محمدا ﷺ قضى بين الناس على منهج الحق مع بهجة الصدق، لم ترفع إليه قضية إلا قضى فيها قضاء مبرما بما أنزل الله، لايتبع فيه الهوى، ولا يخاف لومة لائم. فصار مثالا للقضاة في جميع العصور بقضائه وسيرته، كما قدم الإرشادات اللازمة لجميع من يتقلد منصب القضاء في كر الدهور ومر الأعوام.

    وقد وعد النبي ﷺ أجورا عظيمة وفوائد جسيمة لمن يتولى القضاء ويقوم به أحسن قيام، فجعله من النعم التي يباح الحسد عليها. فقد جاء في حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: { لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِمُهَا } .وفي حديث عائشة رضي الله عنها { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالُوا .اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ وَإِذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ } .وفي الحديث الصحيح { سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ } الحديث، فبدأ بالإمام العادل. وقال ﷺ: { الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ}

    على أنه ﷺ أنذر بوعيد شديد لمن يجور في حكمه وقضائه. عَن ابن بريدة، عَن أبيه، عَن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قال: القضاة ثلاثة فقاضيان في النار، وقاض في الجنة. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى على جهل؛ فهما في النار.” و قال رسول الله ﷺ: الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تبرأ الله منه ولزمه الشيطان”

    وقد رغب النبي ﷺ عن طلب القضاء و عن التطلع إليه. عَنْ أَنَسِ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وَابْتَغَى عَلَيْهِ الشَّفَاعَةَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكِْرهَ عَلَيْهِ أَنْزَلُ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ.

    و كان النبي ﷺ يوصي من يوليهم القضاء بتوصيات قيمة، ويبين لهم ما يحتاجون إليه في القضاء.فقد روي عن معاذ؛ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه إِلَى اليمن،فَقَالَ لَهُ: كيف تقضي إن عرض لك القضاء ? قال: أقضي بما في كتاب الله؛ قال: فإن لم يكن ذلك في كتاب الله ? قال: أقضي بسنة رسول الله؛ قال: فإن لم يكن ذلك في سنة رسول الله ? قال: أجتهد رأيي، ولا آلو؛ قال: فضرب رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدره بيده، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وعلم النبي ﷺ أن من الآداب التي يجب أن يتأدب به القاضي أن يكون في حالة نفسية هادئة راضية حينما يجلس للقضاء حتى يكون مستعدا تمام الاستعداد لسماع الدعاوى وما يقدمه الخصوم من بينات ودفوع ، فقد جاء في الحديث الشريف الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان » فنص صلى الله عليه وسلم على الغضب ونبه على ما في معناه ، ولهذا قال الفقهاء ينبغي أن يكون القاضي خاليا من الجوع الشديد والعطش والفرح الشديد والحزن الكثير والهم العظيم والوجع المؤلم ومدافعة الأخبثين أو أحدهما ، والنعاس ، لأن هذه الأشياء ونحوها مثل الغضب تأثر في حالة القاضي النفسية وحضور ذهنه لمقتضيات الدعوى واستعداده المطلوب لسماع أقوال الخصمين .

    وعلى القاضي أن لا يقضي بعلمه لقوله صلى الله عليه وسلم : « إنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها » .

    وينبغي للقاضي ان يجلس في مجلس قضائه محترما مهيبا لا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن يسوي بين الأمير والحقير وبين الشريف والوضيع، و أن يكون غير مستكبر عن مشورة من معه من أهل العلم، ورعا ذكيا فطنا، متأنيا غير عجول، نزها عما في أيدي الناس، عاقلا مرضي الأحوال، موثقا باحتياطه في نظره لنفسه في دينه وفيما حمل من أمر من ولي النظر لهم، غير مخدوع، وقورا مهيبا، متواضعا من غير ضعف، حاكما بشهادة العدول، لايطلع الناس منه على عورة ولا يخشى في الله لومة لائم. ويجتهد أن يكون جميل الهيئة ظاهر الأبهة وقور المشية والجلسة حسن النطق والصمت محترزا في كلامه من الفضول وما لا حاجة إليه.

    ونرى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا من الأمثلة للتأدب بمثل هذه الآداب المثلى، حتى إن القضاة الأفاضل في العصور الأوائل كانوا يتمسكون بهذه القيم والآداب اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما يروي لنا كتب التاريخ. مثلا، دخل الأشعث بن قيس على القاضي شريح في مجلس الحكومة فقال شريح : مرحبا وأهلا وسهلا بشيخنا وسيدنا ، وأجلسه معه ، فبينما هو جالس معه إذ دخل رجل يتظلم من الأشعث فقال له شريح : قم فاجلس مجلس الخصم وكلم صاحبك ، فقال بل أكلمه في مجلسي فقال له : لتقومن أو لآمرن من يقيمك ، فقام امتثالا لأمر القضاء.

  • المدائح النبوية لأمير الشعراء أحمد شوقي

    المدائح النبوية لأمير الشعراء أحمد شوقي

    بقلم : د/ ن. عبد الجبار

    شخصية شوقي

    ولد أمير الشعراء أحمد شوقي في القاهرة بمصر سنة 1868م لأبوين مختلفي الجنسية، فأبوه كان عربيا من مصر، وأمه كانت تركية. عندما كان في الرابعة من عمره ألحقه ذووه بمكتب الشيخ صالح بالقاهرة. أتم تعليمه الثانوي في سنة 1885 في عمره الخامس عشرة عاما. لما بلغ السادسة عشر من عمره ألحقه أبوه بكلية الحقوق لتدريس القانون. وبعد، ظل شاعرا للقصر للخديوي توفيق يتغنى بمدائحه. وبعثه الخديوي إلى فرنسا ليكمل ثقافته في الحقوق بالإضافة إلى دراسة الآداب الفرنسية. وبقي في فرنسا أربع سنوات ثم عاد إلى مصر سنة 1862م. واشترك شوقي في مؤتمر المستشرقين عقد في مدينة “جنيف” سنة 1894م ممثلا الحكومة المصرية، وقدم فيه قصيدته الملحمية التاريخية الشهيرة بعنوان: “كبار الحوادث في وادي النيل” بدأها بقوله:

    “همت الفلك واحتواها الماء

    وحداها بمن تقل الرجاء”

    وظل شوقي يتقلب في فراش النعيم بين القصر ومنزله الفخم في القاهرة ويعيش حياة رتيبة مرفهة إلى أن أعلنت الحرب العظمى في سنة 1914م، فعزل الخديوي عباس الثاني لخصومته لإنجلترا وولائه لتركيا، ولم تكن السلطة الانجليزية غافلة عما كان لشوقي من مكانة في القصر فنفي إلى أسبانيا.

    وعاد أحمد شوقي من منفاه ووجد أرض وطنه مخضبة بدماء الحركة الوطنية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، فراح يناضل الشعب نضالا مستميتا للذود عن كل شبر من أرضه دون اغتصاب المحتلين. فأصبح شوقي شاعر الشعب المصري بل شاعر الشعوب العربية كلها؛ ينبض قلبه بأحلامها وآمالها وما تكون فيه من جهاد وثورات. وانتهز كل فرصة للإشادة بزعيم عربي أو حركة عربية وإسلامية، والتعبير عن آمال العرب والمسلمين، وتشنيع ظلم المستعمرين وما يقومون به من اعتداء وتعذيب، وبذلك أصبح شعره يردد في كل مكان ينطق أصحابه بالضاد.

    وفي سنة 1927م اجتمع شعراء الدول العربية في حقل كبير أقيم لتكريم شوقي فأجمعوا على مبايعته بإمارة الشعر تقديرا لمكانته المرموقة في الإبداع الشعري، وأعلن فيه حافظ إبراهيم بمبايعته ومبايعة شعراء البلاد العربية منشدا:

    أميرا القوافي قد أتيت مبايعا

    وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

    خصص شوقي جزءا كبيرا من ديوانه في الفكر الإسلامي، وهو يشمل جميع جوانب الحياة من العقيدة إلى السياسة، والاجتماع، والأخلاق. ويعالج الشاعر قضايا المسلمين، ويعلي شأن الإسلام، ويريد الإصلاح على أساس الدين، ويطرب إذا نال المسلمون الخير، ويحزن إذا أصابهم الشر؛ ويحثهم على النهوض، ويذكرهم بماضيهم المجيد، ويريد لهم حياة العز والسلطان في ظل الإسلام. فقد طرق شوقي باب جميع أغراض الشعر، أي الديني، والتاريخي، والوصفي، والدثائي، والمدحي، والسياسي والمسرحي وما إلى ذلك.

    يرى شوقي إن الإسلام منهج كامل للحياة الإنسانية فشعره الإسلامي النابع من الفكر السليم بضفة عامة؛ وهدفه الأساسي من شعره الإسلامي استنهاض المسلمين من نسباتهم العميق، وإخراجهم عن حياة الذل والخمول والبطالة إلى العمل والجهاد للتخلص من الضعف السياسي والاستعباد النفي والفقر الفكر والمعنوي.

    المدائح النبوية:

    وقد خصص شوقي ثلاث قصائد لمدح الرسول ﷺ: أولها “نهج البردة” وثانيها “الهمزية النبوية” وثالثتها “ذكرى المولد”.

    وهذه القصائد كلها جديرة بدراسات مستقلة لما تحتوي على درر المعاني الإسلامية وطرف من شمائل النبي الكريم ﷺ وأخلاقه وبعض خصائص الإسلام وذكر بعض معجزاته ووصف الحال التي كانت قبل بعثته من فوضى واضطراب. ثم بث الشكوى إلى النبي ﷺ على ما آل إليه أمر المسلمين في عصره من التدهور والذل والانحطاط. وبين الشاعر ولادة النبي(ص) مولد الهدى، الهدى الذي يرجع بالإنسانية الضالة على سواء السبيل. فالكائنات من فرحتها بمولده صارت ضياء، يشيع النور ويبدد الظلام، وهذا المولد في جماله وجلاله وخيره المتنوع كحديقة تفتحت ورودها، ففاح عبير شذاها في أرجاء مختلفة؛ والوحي يقطر عذبا من عذب، والقلم واللوح المحفوظ يفيضان في الأولين. ومطلع قصيدة “الهمزية النبوية”:-

    ولد الــهدى فالـــكائـنات ضــيــاء

    وفــم الــزمــان تــبسـم وثناء

    وفي هذه القصيدة نفسها تتحدث شوقي عن شمائل النبي الكريم ﷺ وخلقه، فيتذكر تلك الصفات التي كانت له أكبر عون على تحقيق دعوته، والتي مكنته من أن يحول أمة جاهلة متفرقة إلى دولة إسلامية شاملة. فيصور لنا صدقه وأمانته وجوده ووفاءه وغيرها. فيقول الشاعر:

    بسوى الأمانة في الصبا والصدق

    لم  يــعــرفــه أهل الصدق والأمناء

    يا من لــه الأخـلاق ما تهوى العلا

    منهـــا ومــا يــتــعـشق الـكبراء

    وإذا غضبت فإنــما هـي غـــضبة

    في الحق لا ضعف ولا بــغضاء

    وإذا صحبت رأى الــوفاء مجسما

    في بردك الأصحاب والخــلـطاء

    وهو يقدم الإسلام شريعة العقل والحكمة والعدل والعمل الصالح للدنيا والآخرة، وهي شريعة جمعت بين الدين والسياسة؛ واتبعها المسلمون وملكوا بها العالم وسطعت أنوارها في أنحائه، فرفرف فيها العدل والعلم والعمران.

    ويلخص الشاعر النظام الإسلامي في بيت واحد من القصيدة إذ يقول:-

    الدين يسر والخلاصة  بيعة  والأمر شورى والحقوق قضاء

    وعن خلقه العظيم ينشد شوقي:

    يا من له الأخلاق ما تهوى العلا

    مــنهــا وما يتعشق الكبراء

    لو لم تقم دينا، لقــامـت وحدها

    دينــا تــضئ بــنوره الآناء

    زانتك في الــعــظيــم شــمائـل

    يغرى بهن ويولع الكرمــاء

    أنشد شوقي المدائح النبوية تقديرا وحبا للرسول ﷺ ووصفا لخصائص الإسلام، صادرا عن العاطفة الدينية الجياشة؛ بل نجده في شعره الديني زاهدا متنسكا يتقرب إلى الله بدعائه وكثرة تسبيحه، ويستغفره ويتوب إليه خاشعا متذللا:

    ربــنا يا ذا التجلي والجلال

    يا خفي اللطف يا رب النوال

    ربنا الــلهــم جنـبنا الذنوب

    واهدنا الحكمة في كل الفعال

    ربنا اللهم أصلـــح شــأنــنا

    وأقـــم فـــي نـــفـعنا حكا منا

    ربنا واحفظ بنا أوطــانـــنا

    واجعل الملة في أوج الكمال

    نهج البردة:

    تعتبر قصيدة “نهج البردة” من غرر المدائح النبوية التي نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي. وفي هذه القصيدة يصف شوقي نبينا ﷺ أمير الأنبياء لأنه خيرهم وأفضلهم على الإطلاق. وهو ﷺ مفتاح باب الله لأن في أتباعه الوسيلة إلى الدخول في رحمة الله ورضوانه وفي الاستشفاع به السبيل إلى عفوه وغفرانه. وهذا المعنى واضح في قول الشاعر:

    لزمت باب أمير الأنبياء ومن

    يمسك بمفتاح باب الله يغتنم

    وفي بيت آخر في هذه القصيدة يشبه شوقي نبينا الكريم ﷺ بالشمس على أن نوره ﷺ عم البرايا جمعاء وشاع في الأرض والسماء، كما يتصل نور الشمس بآفاق هذا العالم بجميعها. وقوله:

    سناؤه وسناه الشمس طالعة

    فالجرم في فلك والضوء في علم

    والشاعر يشير إلى محبته ﷺ التي قد شاعت في قلوب أحلاس الديور من متنسكي النصارى ورهبانهم المنقطعين في رؤس الجبال للتبتل والعبادة:

    محبة لرسول الله أشربها

    قعائد الدبر والرهبان في القمم

    وفي شبابه ﷺ يلقبونه “بالأمين” وذلك لما رأوهم في شدة وفائه وعصمته عن الباطل ونزاهته عن الكذب؛ وما علمتم في طبعه الكريم انحرافا وما وجدتم في خلقه الشريف لوثة. ويشير الشاعر إلى هذه الصفات المحمودة عند رسول الله ﷺ:

    لقبتموه أمين القوم في صـغر

    ومـــا الأمـــين عــــلى قــول بمتهم

    فاق البدور وفاق الأنبياء فكم

    بالخلق والخلق من حسن ومن عظم

    وعن خلقه ﷺ يذكر شوقي أن الله تعالى قد حباه من كمال الغريزة وسلامة الطبع ووفرة العقل ووثاقة الحلم وعلو النفس ولطف الحس بما لم يحب به مخلوقا قط قبله ولا بعده، وتولاه من تأديبه وطبعه على كرائم الخلال ومحامد الخصال بما لم يوفق إليه مخلوقا غيره. وأن الأنبياء جاءوا بالمعجزات والآيات إلا قد مضت على أثرهم وانقطعت بانقطاعهم؛ وأن ما جاء به نبينا ﷺ من القرآن الكريم والذكر الحكيم باق على طول الأزمان والدهور؛ تجري عليه العصور وتتغير عليه الأمم وهو قائم الحجة واضح البرهان. يكلف الناس بالجري على مقتضى حكمه ويطلبون بالتعبد بتلاوته في كل زمان ومكان كما ورد في الأبيات التالية:

    جاء النبيون بالآيات فانصرمت

    وجئتنا بحــكيـــم غير منصرم

    آياته كلما طــال الـــمدى جدد

    يزيـــنهـــن جلال العتق والقدم

    يكاد في لطـــفــة مـنه مشرفة

    وصيك بالحق والتقوى وبالرحم

    يشبه شوقي حديثه ﷺ بالشهد في حلاوته وعذوبته، وانبساط النفس له، أو لفائدته وشفائه لأمراض النفوس كما يشفي العسل من أمراض الجسم، كما قال تعالى: “فيه شفاء للناس” (النحل – الآيةﷺ69)

    يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة

    حديثك الشهد عند الذائق الفهم

    ويقول شوقي إن البيان قد ازدان بحديثه كما تزدان الحسناء بعد العطل بحليها وزخرفها وتزدان بزينتها ملاحتها وحسنها، ويبين هذا المعنى في قوله:

    حليت من عطل جيد البيان به

    في كــل مـنتثر في حسن منتظم

    بــكل قــــول كـريم أنت قائلـه

    تحيي القلوب وتحيي ميت الهمم

    والشاعر يوضح شجاعة الرسول وبأسه في الحروب ويبين أنه كان أقوى بأسا من الأسد ساعة وثبه؛ والأسد إذا وثب كان أشد ما يكون شدة وأقوى ما يكون قوة، ونستمع إلى قوله:

    والليث دونك بأسا عند وثبته  إذا

    مشيت إلى شاكي السلاح كمي

    تهفو إليك وإن أدميت حبتـها

    في الحرب أفئـدة الأبــطال والبهم

    وهكذا اجتمع له ﷺ الثناء من أهل الأرض وأهل السماء، ومن يلتمس عن الأخبار وجد أنه بلغ الغاية في كمال بشريته وروحانيته ﷺ.

    وختاما، يصلي ويسلم الشاعر على محبوبه ﷺ بقوله:

    يا رب صل وسلم ما أردت على

    نــزيــل عــرشك خير الرسل كلهم

    محيي الليالي صـلاة لا يــقطعها

    إلا بدفع مـــن الإشـــفــاق منـجسم

    مسبحا لك جنح الليالي محــتملا

    ضرا من السهد أو ضرا من الورم

    رضية نفسه لا تشتكي سأمـــــا

    وقامع الحب إن أخـلصـت من سأم

    وصل ربي على آل له نــخــب

    جعلت فيهم لواء البــيــت والــحوم

    بيض الوجوه ووجه الدهر ذو حلك

    شم الأنوف وأنف الحادثات حــمي

    واهد خير صلاة مــنــك أربعة

    في الصحب صحبتهم مرعية الحرم

    يمجد شاعرنا شوقي كل الأنبياء تمجيدا يليق بمكانتهم، والأنبياء جميعهم مصدر هدى ورحمة، ويجب على العباد أن يصدقوهم ويخلصوا الحب لهم، ولكنه أفرد كلا من موسى وعيسى عليهما السلام ومحمد  ﷺ بالتمجيد والإجلال والإكبار في قصائد مستقلة. ويعبر الشاعر في أشعاره عن إيمانه الراسخ بنبوة محمد ﷺ  الباقية إلى يوم القيامة، وصلاحيتها للأجيال البشرية على مرا العصور وكر الدهور. وهو يدهش بإعجابه البالغ لسيرة رسول الكريم ﷺ الفذة الفريدة في الكلمات الإنسانية والانجازات النادرة. وكان الشاعر شوقي شاعرا إسلاميا بمعنى الكامل وله عقيدة ودعوة ورسالة. ونلاحظ الحب والحنان والإشراق الروحي في جميع أشعاره عن الدين كما يقول في الأبيات التالية:

    محمد صفوة الباري ورحمته  وبغية الله من خلق ومن نسم

    وقوله مناجاة الله:

    وأنت ولي العفو فامح بناصح

    من الصفح ما سودت من صحفاتي

    شوقي شاعر معتد بإيمانه، معتز بدينه؛ وقد تخصص أكثر ديوانه في الفكر الإسلامي بصورة مباشرة وغير مباشرة؛ والنواحي الإسلامية في شعر شوقي أجدر بعناية الدارسين المهتمين بالدراسات الإسلامية. قضى شاعرنا حياته في خدمة الأدب العربي وأتم ما عهد إليه من مهمة الحياة فلبى لنداء ربه سنة 1932.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.