Category: مقالات دينية

  • الطلاق الثلاث والقانون المدني الموحد

    الطلاق الثلاث والقانون المدني الموحد

    بقلم: محمد ضياء الدين الفيضي

    فبعد أن قدمت الحكومة المركزية الهندية خطتها لفرض القانون المدني الموحد على كل المواطنين وتبعاً لذلك طرحت اللجنة القانونية العاملة تحت الحكومة نحو الجمهورأسئلة خطيرة المدى حول الموضوع صارت مسألة الطلاق الإسلامي – وخاصة الطلاق الثلاث- محل جدل ونقاش،ليس لدى المسلمين فحسب بل وغير المسلمين، وقد نجح الأعداء إلى حد كبير في إثارة الشبه والشكوك حول نظام الطلاق في الشريعة الإسلامية وفي إيقاع بعض ضعفاء القلوب من المسلمين في هذه الورطة المهلكة.

    ومما يدل على أن الموضوع قد تجاوز الدوائر الدينية أن جل الخائضين فيه هم السياسيون والإعلاميون والصحافيون والثقافيون وقضاة المحاكم وأكثرهم غير مسلمين، وأعجب من ذلك أن أكثر المتكلمين في الموضوع لم يلموا بشيء عن الشريعة الإسلامية عامة وعن الطلاق الشرعي خاصة، كأن أكثرهم ظنوا أن سنة الطلاق إنما أحدثها الإسلام، ولم يكن ذلك معروفاً لدى المجتمعات الأخرى، والأنظمة المتبعة مما يدل على جهلهم المركب في القضية.

    ولا أدلّ على جهلهم بموضوع الطلاق الإسلامي أن النساء المسلمات والمجتمع المسلم بأسره راضون بشريعة الله تعالى في أحوالهم الشخصية بما فيها النكاح والطلاق – إلا أن بعض من ينسبون أنفسهم للإسلام – وهم بمعزل عنه- تأثروا بشبه الأعداء، وبدأوا يخوضون في الطلاق على جهل أو تجاهل، ويواكبون أعداء الإسلام في مدعياتهم ومتطلباتهم، ويعدون ذلك من التطور العقلي والتقدم العلمي والثقافة العالمية، وبعض آخر يعترفون بالشريعة الإسلامية عموماً إلا أنهم يرون أن الإسلام لم يراع حق المرأة حق الرعاية -والعياذ بالله من التطاول على دينه-.

    الطلاق في الملل الأخرى:

    ولا يخفى على من درس موضوع الطلاق أن الطلاق من مصلحة الزواج ومن ضروريات الحياة الزوجية، وأنه لم يخل مجتمع من ذلك. فقد نقل الأستاذ قاسم أمين فى كتابه تحرير المرأة عن الأديب الفرنسى فولتير قوله: “إن الطلاق قد وجد فى العالم مع الزواج فى زمن واحد تقريباً، غير أنى أظن أن الزواج أقدم ببضعة أسابيع، بمعنى أن الرجل ناقش زوجته بعد أسبوعين من زواجه، ثم ضربها بعد ثلاثة، ثم فارقها بعد ستة أسابيع” ثم قال الأستاذ: الطلاق قديم فى العالم، وأنه يكاد أن يكون من الأعراض الملازمة للزواج، وهذا حق لا يرتاب فيه، فقد دل تاريخ الأمم على أن الطلاق كان مشروعاً عند اليهود والفرس واليونان والرومان، وأنه لم يمنع إلا فى الديانة المسيحية بعد مضى زمن من نشأتها”‏([1]).

    وأما في بلادنا – الهند والدول المجاورة لها- فقد سادت هناك الديانات البرهمية والبوذية وشريعة مانو، وقد عرف براهمة الهند نظاماً شبيهاً بنظام الانفصال الجسدى عند الكاثوليك، غير أن للرجل أن يتزوج بأخرى، ويترك مسكن الأولى.وعند البوذيين الطلاق بيد الرجل أو باتفاق الطرفين، ويكفى الرجل فى طلاق زوجته أن يقول لها :” إنها اتصفت بصفة سيئة يقدرها هو، كأن تملأ البيت دخاناً، أو تكثر الكلام، أو تزعج الكلاب بصوتها “([2]) .

    وأما الطلاق عند اليهود فقد جاء فى سفر التثنية إصحاح 24: 1، 2 أن موسى عليه السلام قال: “إذا اتخذ رجل امرأة وصار لها بعلاً ثم لم تحظ عنده لعيب أنكره عليها فليكتب لها كتاب طلاق، ويدفعه إلى يدها، ويصرفها من بيته “، وفى الإصحاح الثالث من كتاب أرميا “إذا طلق رجل امرأته فانطلقت من عنده، وصارت لرجل آخر فهل يرجع لها بعد؟ ألا تتنجس تلك الأرض نجاسة!! وفى سفر التثنية 24: 4، ومعنى ذلك أن الطلاق عند اليهود جائز، ولكن لا يجوز للرجل أن يتزوج مرة أخرى بمن طلقها إذا تزوجت برجل آخر وطلقت منه‏([3]).

    وحالة المسيحيين لم تختلف كثيراً عن حالة اليهود، فقد ورد في الإنجيل مواضع تشير إلى إباحة الطلاق ومواضع إلى كراهته، ولذلك اختلف اتباعها فيما بعد اختلافاً شديداً حول تفسير موقف الإنجيل من الطلاق، فمنهم من يرى أن الإنجيل لم يبح الطلاق، وإنما أباح الفراق أو الانفصال الجسدي، ومنهم من يرى أنه أباح الطلاق لعلة الزنا فقط، ولم تستطع الكنيسة الغربية – بوجه أخص – فرض مبدأ عدم قابلية الزواج للانحلال إلا فى غضون القرن العاشر الميلادى([4]).

    الطلاق فى القوانين الوضعية في الدول الأوربية والغربية:

    وقد أصدرت كثير من الدول الغربية قوانين بإباحة الطلاق كحل أخير للحد من النزاعات الزوجية، ففى 1/11/1970 أقر البرلمان الإيطالى قانوناً بإباحة الطلاق فى حالات منها: الإصابة بالجنون، والسجن بسبب ارتكاب جريمة جنسية، والهجر لمدة خمس سنوات”، وفى أسبانيا عددت المادة الثالثة من القانون الصادر فى 2 مارس 1932 ثلاثة عشر سبباً لانحلال رابطة الزوجية بالحكم النهائى القاضى بالطلاق بين الزوجين مهما كانت الجهة المدنية أو الدينية التى عقدته.وفى ألمانيا يجيز القانون رقم 16 لسنة 1946 فى مواده 42-48 الطلاق لستة أسباب، وتوقعه المحكمة بناء على طلب أحد الزوجين متى رفعت دعوى التطليق فى الميعاد، ويجب أن تتخذ إجراءات للسعى فى الصلح بين الزوجين قبل توقيع الطلاق .

    وفى بريطانيا أجيز الطلاق بمقتضى قانون صدر سنة 1937 فأدخل تعديلات جوهرية على الأنظمة السابقة، وأباح صورا كانت محرمة من قبل كطلب الطلاق للهجر، والإساءة والمرض العقلى والعيب التناسلى الخطير.وفى فرنسا يجيز القانون المدنى الفرنسى الطلاق للزنا، ولسبب صدور حكم بعقوبة بدنية ضد أحد الزوجين، وكذا لاعتداء أحد الزوجين على الآخر، أو إساءة معاملته، أو إهانته.وفى أمريكا يحكم بالطلاق فى كثير من الحالات لأتفه الأسباب، والنتيجة أن معدل الطلاق فى أمريكا أعلى منه فى أى مجتمع آخر([5]).

    نظرات فى تشريع الطلاق في الإسلام

    ومما لا يخفى على مسلم أن الله تعالى جعل الناس خليفة في الأرض، وخلافة الإنسان تعتمد على التناسل والتكاثر، والتناسل المنتظم لا يحصل إلا بالنكاح الصحيح، ولذلك حث على النكاح وعلى التعدد في بعض الحالات، وكان الأصل في النكاح الاستمرار والدوام لا الانقطاع والتوقيت. ولذلك نهى الشارع النكاح المؤقت الذي هو نكاح المتعة، ورغب في المودة والوئام، ودعا إلى أسبابهما، فأمر المسلمين أن يصبروا على زوجاتهم حيث قالسبحانه: (وإن كرهتموهن فعسى أن تكرهو اشيئاً ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا)([6]).  وقال صلى الله عليه وسلم: ” لايفركمؤمنمؤمنةإنكره ‏منهاخلقاً،رضىمنهاخلقاًآخر”([7])-،ونهىالنساءأنيسألنأزواجهن ‏الطلاق: “أيماامرأةسألتزوجهاالطلاقمنغيربأسفحرامعليهارائحةالجنة “([8]).‏

    ولم يحرض الإسلام على الطلاق كما حرض على النكاح، فالنكاح هو الأصل والطلاق طارئ، فقد ورد ذكر الطلاق وأحكامه وآثاره ثلاث عشرة مرة فى القرآن الكريم، حظيت سورة البقرة بأكثرها‏، كما أن من سور القرآن الكريم سورة الطلاق، والمثير للانتباه أن أكثر الآيات وردت فى النص  ‏على أحكام الطلاق وآثاره، وآية منها فقط نصت على حلال طلاق، وتلك قوله تعالى: (لا ‏جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة).وهذا بخلاف النكاح فقد وردت آيات كثيرة تفيد إباحة النكاح.‏

    ولكن قد يعترض النكاح مايحول دون تحقيق أهدافه، أويطرأ مايمنع استمراره شرعاً، ففي مثل ‏هذه الحالات القليلة إن أبقينا على العلاقة بين الرجل والمرأة فقد تتبدل المودة بغضاً، والرحمة ‏سخطًا، ومن هناشرع الله سبحانه وتعالى الفرقة دفعاً للأضرار، ورفعاً لما ليس من حقها للزوم‏‏؛ فقد يكون أحد الزوجين عقيماً لا ينجب، ونفس الآخر تتوق إلى طلب الولد، وهو من مقاصد الزواج، وعليه جبلت النفوس، وقد يكون بأحدهما عيب من مرض معد، أو سوء عشرة لم يجد معها نصح ولا صلح ولا تقويم، فإن أبقينا على زواجهما كانت حياتهما نفورًا وخصامًا وإيذاءً، وعندئذ يكون من صالح الزوجين والمجتمع أن يفترقا تطويقاً لعنق الشر، وإغلاقاً لمنافذ الشيطان، وحماية للمجتمع، والكي آخر الدواء.

    بعض شبه الأعداء ودفعها:

    بعض المعاصرين ينادون بعدم وقوع الطلاق إلا بتراضى الزوجين عليه، بحجة أن الطلاق إنهاء لعقد لا ينشأ إلا بإرادتين فكيف يستبد أحد العاقدين فقط بإنهائه ؟

    وبأدنى تأمل فى أسباب التطليق فى الغرب المسيحى نجد أن المنادين بهذه الصيحة متأثرون جدًّا بتقنينات الغرب دون مراعاة لآثار الطلاق المالية التي هي من منظور الإسلام على عاتق الرجل، بينما يتحمل غرم الطلاق فى الغرب طالبه، إضافة أن هذه الدعوى صبعة التطبيق، لأنه قلما يمكن إنهاء الزوجية التى لا خير في بقائها برضى الطرفين، فقد تدعو الضرورة أحد الزوجين إلى التخلص من الزوجية بينما يتمسك الآخر ببقائها، مما يجعل مفسدة هذا النظام أعظم من المصلحة حيث يترتب عليه أحد أمرين:أولهما: بقاء العلاقة مع ما يكتنفها من بغض وكره وريبة لها أثرها المباشر على النشء، واحتمال وقوع ما لا يحمد عقباه من أحد الزوجين على الآخر.

    على أن إعطاء حق الطلاق للرجل يتفق والقوامة التى أعطاها الله له فى قوله سبحانه وتعالى:(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)([9]).فعلى الاعتبار الأول: الرجل أقرب إلى تحكيم النظر العقلى فى الأمور منه إلى الاستجابة إلى العاطفة، أما المرأة فهى على وجه العموم أقرب فى معظم حالاتها إلى الاستجابة للعاطفة.

    وعلى الاعتبار الثانى: فإن الرجل هو الذى تكلف كل مطالب الزواج والحياة الزوجية بعد من مهر ونفقات، فهو الذى تصيبه خسارة الطلاق فى ماله.ومع هذا فإن الشريعة الغراء لم

    تجعل هذا الحق للرجل مطلقا وإنما قيدته بقيود كثيرة، كما أنها لم تسلب المرأة حقها فى الخلاص من معيشة تضرها ورجل يؤذيها، فقررت حقها فى رفع أمرها إلى القاضى – متى ملكت مبررا قويا مقبولا للتفريق – ليطلق على الزوج مع استيفاء المرأة لكافة حقوقها المادية قبل الزوج.

    التدرج في الطلاق والتطليقات الثلاث:

    إن القرآن أرشد إلى الصلح بين الزوجين أولاً وإلى التدرج في الطلاق ثانياً، قال تعالى: (والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا بتغوا عليهن سبيلاً)([10])، وقال سبحانه أيضاً: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) ([11])، وقال أيضاً: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)([12]).

    فالإسلام لا يحث على الطلاق، فضلاً عن التطليق الثلاث بلفظ واحد، ومع اتفاق العلماء على هذا المعنى إلا أنهم اختلفوا فى وقوع الطلاق المتكرر لفظاً – كأن يقول لها: طلقتك ثلاثاً، فذهب جمهور العلماء إلى أنه واقع إلا ما نقل عن بعض التابعين من عدم الوقوع كما نقله الشوكاني وغيره، وهذه النقول لم تثبت، وإن ثبتت فهي شاذة لا تقوم بها حجة.

    والقائلون بوقوعه اختلفوا فى وصفه فذهب الأئمة الأربعة وأكثر العلماء إلى أنه يقع كما صدر من المطلق، فمن ضيق على نفسه لزمه([13])، وقد سئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من رجل طلق امرأته ثمانى تطليقات فقال ابن مسعود: فماذا قيل لك ؟ قال: قيل لى إنها قد بانت منك، قال ابن مسعود: أجل من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما تقولون “([14]) .

    وأما القول بأن التطليقات الثلاث بلفظ واحد إنما يعتبر تطليقة واحدة فقط فهو قول الظاهرية، رجحه ابن تيمية وابن القيم، وأخذ به بعض العلماء المعاصرين ممن ينسبون أنفسهم إلى السلفية، واستدلوا عليه بأدلة أكثرها من المعقولات، ولا تقوم حجة ضد الإجماع المنقول في المسألة من المذاهب المعتبرة.

    ومن أقوى أدلتهم من المنقول ما أخرج الشيخان عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا أمرًا كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم “.

    واستدلالهم بحديث ابن عباس رضي الله عنهما لا يصح؛ لأن رواية ابن عباس هذه شاذة، فإن حديث ابن عباس الواقع في الصحيحين إنما رواه عنه من أصحابه طاوس وأن جلة أصحابه رووا عنه لزوم الثلاث منهم سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة غيرهم، ولو سلمت صحته فلا تخلو من إشكال قوي، وهو أنه كيف يسوغ لعمر رضي الله عنه أن يفعل خلاف ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه من أشد الناس في دين الله وأشدهم عناية بالاتباع، وكيف يوافقه الصحابة مع علمهم بأنه خلاف ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، وبتسليم صحة الرواية تحتمل التأويل.

    واحتجوا أيضا بما رواه ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا في مجلس واحد قال: إنما تلك طلقة واحدة فارتجعها”. وهذا أيضاً لا يصح؛ لأن حديث ابن إسحاق وهم؛ وإنما روى الثقات أنه طلق ركانة زوجه البتة لا ثلاثاً([15])، فالحق أن الطلاق الثلاث – وإن لم يكن مما حث عليها الإسلام- جائز ويقع ثلاثاً.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    ([1])‏تحريرالمرأة،الأستاذ قاسم أمين، نشرالهيئةالمصرية للكتاب ص123.‏

    ([2])‏انظر: بحث الشيخ عطيةسقر بمجلةالأزهرالمجلدالخامس ص132.

    ([3])انظر: نظام الاقتصاد بين الاقتصاد والدين، د. ثروت أنيس الأسيوطي، دار الكتاب العربي ص 235.

    ([4])انظر: نظام الاقتصاد بين الاقتصاد والدين، د. ثروت أنيس الأسيوطي، دار الكتاب العربي ص 235.

    ([5])انظر: الأحوال الشخصية للأجانب في مصر، أ. جميل خانكي.

    ([6])سورة النساء: (34).

    ([7])رواه الشيخان.

    ([8])رواه مسلم.

    ([9])سورة النساء: (34).

    ([10])سورة النساء: (34).

    ([11])سورة النساء: (35).

    ([12])سورة البقرة: (229).

    ([13])بدائع الصنائع للكاساني (3/94)، المدونة (2/66-68)، أحكام القرآن لابن العربي (1/189).

    ([14])ينظر: شرح السنة للبغوي (5/431).

    ([15])انظر: بداية المجتهد لابن رشد (2/61).

  • تحصين الشباب المسلم بالعلم الشرعي المؤصل

    الأستاذ/ علي كوتي المسليار (  شيخ الجامعة النورية العربية، كيرالا، الهند)

    (مقالة بحثية قدمها فضيلته في مؤتمر السلام الدولي الذي انعقد تحت إشراف رابطة العالم الإسلامي في ماليزيا)

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين وسيد المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد،

    المقدمة

    فإن الإرهاب لم تخل منه أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، فقد كان ظاهرة من مظاهر الاضطراب السياسي في القرون السابقة ولا يزال هكذا في القرون الراهنة، فهناك إرهاب ديني وقَبَلي وطائفي، كما أن هناك إرهاباً تتولاه الدول ضد الشعوب كما نرى في إسرائيل ضد الفلسطينيين وفي بورما ضد مسلمي روهينجا،ومن المؤسف جداًّ أن يحاول بعض المغرضين الربط بين الإرهاب والإسلام، فإن ظاهرة الإرهاب لا تقتصر على دين أو على ثقافة أو على هوية معينة.

    وفكرة الإرهاب والأعمال الإرهابية كانت موجودة لدى شرذمة قليلة من المسلمين منذ القرون الأولى، ويشهد به التاريخ الإسلامي، فقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه كان عملاً إرهابياًّ بلا شك قام به بعض شباب المسلمين المنحرفين، وكذا قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجميع الطوائف المنحرفة متصفة ببعض سمات الإرهاب من الغلو والعنف والانحراف، وحمل النصوص على غير مقاصدها، وكانت الخوارج أول فرقة إرهابية في هذه الأمة، وكان فيهم جميع الصفات الموجودة في إرهابيي هذا العصر من حمل النصوص القرآنية على ظواهرها دون الجمع بين النصوص ودون اعتماد على أصول وقواعد، وكذا تكفير جمهور المؤمنين، والغلو في الدين، وسوء الظن بعلماء الدين، والاعتماد في تنفيذ مقاصدهم على القتل والعنف إلى غير ذلك من أساليب الإرهابيين.

    ومن المعلوم أن الإرهاب له دواعٍ وأسباب، وأنه لا يولد أحد إرهابياًّ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أوينصرانه أويمجسانه) ([1])، وكثير من الإرهابيين لا يقصدون تشويه الإسلام، بل يريدون إعلاءه وتعزيزه، ظناًّ منهم أن الأعمال الإرهابية هي الجهاد الشرعي، وأن العالم الإسلامي والدول الإسلامية مقصرون فيه، فقصدهم صحيح وطريقهم محرم، هم -كما قال تعالى-: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}([2]).

    وهناك أسباب كثيرة ودواعٍ عديدة ترمي الشباب المسلم إلى الإرهاب، منها أسباب شخصية وظروف أسرية أو ضغوط بيئية، كما أن هناك أسباباً اجتماعية، ودوافع سياسية واقتصادية.

    ويرجع جميع ذلك أصالةً إلى غياب العلم الشرعي المؤصل من شباب المسلمين، واتباع الهوى والعواطف النفسية([3]). قال تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، إنَّماَ يَتَذَكَّرُ أولُو الألْبَابِ}([4])،وقال سبحانه أيضاً: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}([5])، وقال أيضاً: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا }([6]).

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن الإرهاب، والعنف والتطرف في أمور الدين، وأشار إلى أن الغلو من أخص أوصاف الإرهابيينحيث قال: (سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة)([7]).

    ولا حل لهذه المشكلة إلا الرجوع إلى سيرة السلف في فهمهم الدين وأسلوبهم في الدعوة، كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([8]).

    وأريد في هذه العجالة أن أختصر أسباب الإرهاب، التي لها صلة بالعلوم الشرعية- وإن كان هناك أسباب أخرى خارج هذا الموضوع-، وأقدم بعض الحلول لهذه المشكلة، وبالله التوفيق.

    القسم الأول: الأسباب العلمية للإرهاب

    لا خلاف بين علماء المسلمين والهيئات الشرعية أن الإرهاب ليس من الإسلام، وأن الجهاد الشرعي غير الإرهاب والعنف والتطرف، وأن ما يفعله الإرهابيون من قتل الأبرياء وتعذيب المؤمنين والدمار لممتلكات المؤمنين وممتلكات الدول الإسلامية محرم أشد التحريم ومعدود من الكبائر، وأنه من محاربة الله ورسوله، وقد نص عليه كثير من الجمعيات والهيئات الإسلامية كالمجمع الفقهي الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.

    ولا يخفى أن معرفة السبب تحدد نوع العلاج وصفة الدواء، فلا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب، وأسباب الإرهاب -كما تقدم- تتنوع إلى عقدية وعاطفية، وإلى اجتماعية وعلمية، وإلى شخصية وأسرية وغيرها، ومن أهم الأسباب العلمية للإرهاب ما يلي:

    السبب الأول: القصور في فهم نصوص الشرع:

    من أهم أسباب وقوع الشباب المسلم في الإرهاب القصورُ في فهم نصوص الشرع، والأخذُ بظواهر النصوص دون فقه ولا قواعد الاستدلال، ولا جمع بين النصوص، ولا اعتمادعلى فهم العلماء وأقوالهم، ودون نظر في أعذار الناس فيما يأتون ويتركون، وخصوصاً المسائل التي لها صلة وثيقة بشبهات الإرهابيين، مثل: النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في الجهاد والتحريض عليه، وفي فضائله الجهاد ومواضعه، ومثل: قضية الولاء والبراء، وقضية التكفير، فكثير من الشباب يدرسون هذه النصوص حرفياًّ، فعلى سبيل المثال: يدرسون الآيات الواردة في الجهاد عن طريق ترجمات القرآن أو عن طريق الوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية والأشرطة، أو عن بعض العلماء القاصرين في الفهم أو المقصرين في البيان، ولا يتعمقون في دراسة النصوص، بفهم سياق الآيات وأسباب النزول، والتأويلات التي ذكرها العلماء والجمع بين الأدلة، بل لا يعتمدون على أقوال الفقهاء أصلاً، ويستنبطون الأحكام التي توافق هواهم، بدون اعتماد على أقوال العلماء أو على قواعد أصولية.

    ولا شك أن الترجمات الحرفية– الظاهرية- لنصوص الشرع وإن كان لها إيجابيات في تبليغ ضوء الإسلام إلى العالم إلا أن لها سلبيات أيضاً، فمن سلبياته أن قارئها يظن نفسه أنه فهم النصوص حق الفهم، ثم يطبق الفهم المنحرف على حياته وأفكاره وعلى حياة الآخرين وأفكارهم، ويتسبب للتشدد والعنف والإرهاب.

    السبب الثاني: سوء الظن بعلماء المسلمين

    ومن أهم أسباب الإرهاب – خصوصاً في الدول العربية- سوء ظن بعض الشباب بعلمائهم وحكامهم، والطعن في نواياهم، فيطيلون ألسنتهم على العلماء الربانيين، ويستهزئون بنصائحهم وفتاواهم، وينظرون إليهم بمنظار أسود، ويتهمونهم بالمداهنة للحاكم، وأنهم مشايخ الدولة، وأنهم – خصوصاً الذين يتولون مناصب حكومية – لا يؤدون حقهم تجاه الأمة الإسلامية، ولا ينصحون الأمة، ولا يهمهم إلا أنفسهم ومناصبهم، وهذه الفكرة الخاطئة منتشرة بين كثير من الشباب المسلم وطلبة العلم، – خاصةً الشباب الذين وقعوا في حبائل الإرهاب -، بل بلغ بهم الأمر أنهم يتهمون هذا الاتهام بالعلماء السابقين في غير القرون المفضلة. وأصل هذه الفكرةعدم فهم حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن بيده تغيير المنكر بالقوة، وعدم الاطلاع على مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.

    السبب الثالث: الغلو في الدين

    إن مما يسرنا هذا الوعي الإسلامي المنتشر بين شبابنا ورجوعهم إلى الدين في كافة أنحاء العالم، والتزامهم بالأحكام الدينية وتثقفهم بثقافة الإسلام، ولكن الأسف أن هذا الرجوع الملحوظ غير مثقَّفٍ بالعلوم الشرعية، مما يؤدي إلى الغلوِّ في الدين والتشدد في الالتزام، حيث يظنون أن الغلو في المعتقدات والتشدد في تطبيق الشرع هو الالتزام الصحيح بالدين؛ لأن الفارق بين الغلوِّ المذموم والاعتدال الممدوح هو العلم الشرعي الصحيح، ففي ظل غياب العلم الصحيح يقعون في ورطة الغلو والتشدد، وهذا الغلو كثيراًما يؤديهم إلى الفكرة الإرهابية؛ لأنهم ينظرون إلى الآخرين المعتدلين كأنهم مقصرون في أمرالدين أو خارجون عنه تماماً، خصوصاً إذا تربوا في بيئةٍ تحملُ أفكارَ الغلو، مثل بعض البيئات الجهادية؛ لأن عامة مراجعهم ليس لديهم من العلم الشرعي ما يتمكنون به من دفع شبه أولئك الشباب، فحملوا تلك الأفكار وتبنوا العنف منهجًا للإنكار والتغيير.

    ومن دلائل هذا الغلو وعدم الإحاطة بآفاق الشريعة ميلهم دائمًا إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات.

    وقد حذر القرآن والأحاديث النبوية عن هذا الغلو والتطرف- سواء كان في المعتقدات أم في العبادات-،حيث قال تعالى:{ قُلْيَا أهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فيِ دِينِكُمْ ولاَ تَقُولُوا علَى الله إلاَّ الحقَّ }([9])، وقال سبحانه: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ }([10]).

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلوَّ في الدين وإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)([11]).

    وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: ( هلك المتنطعون)([12]).قال النووي- رحمه الله- في شرحه: أي المتعمقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم([13]).وقال أيضاً: ( إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)([14]).

    السبب الرابع: التصدر قبل التأهل

    ومن أسباب الإرهاب تصدر الشباب قبل التأهل، فالجيل الجديد لهم حب الاستغناء عن الغير – سواء كان في أمور الحياة أم في أمور الدين-، فيكرهون الاعتماد على الغير، وكلُّ مَن عنده نصيب من العلم يجعل نفسه مفتياً وشيخاً، فكم عندنا من المفتين في البلاد- خاصةً في المواقع الإلكترونية! -فكثرت المذاهب والأفكار، فالانحلال من المذاهب الأربعة المتبعة أوقعهم في ألف مذهب، وعدم تقليد الأئمة الأربعة جعلهم يقلدون مئات المشايخ! ولا شك أن هذا الانحلال تسبب في نشأة الإرهاب؛ لأنهم يتبعون آراءهم ولا يقيمون لعلماء الأمة وزناً، ولا يعتمدون على أقوال الفقهاء أي اعتماد.

    ومن المقرر أن الفكرة الإرهابية متفرعة عن استقلال الأفكار والاستغناء عن أقوال العلماء، فالإرهابيون لا يعتمدون على فتاوى العلماء الراسخين ونصائحهم أبداً، بل كثير منهم يستنقصونهم ولا يعرفون لهم قدرهم، وإذا أفتى بعضهم بخلاف مواقفهم أخذوا يلمزونهم إما بالقصور أو التقصير،أو بالجبن أو المداهنة، أو بالسذاجة وقلة الإدراك ونحو ذلك!

    وبعدما انضموا إلى الطوائف الإرهابية قلدوا علماءهم وقضاتهم اختياراً أو اضطراراً، غالبهم من الجيل الجديد، الذين لم يعرفوا الإسلام إلا عن طريق الترجمات أو المواعظ العامة أو المواقع الالكترونية، ولم يتفقهوا على العلماء الراسخين ولم يتمكنوا في علوم الشريعة وآلاتها، فأفتوا بغير علم، وحكموا بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوع إلى أهل الفقه والرأي.

    وهذا التصدر قبل التأهل كما أنه من أسباب الإرهاب كذلك من أشراط الساعة، وقد أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل)([15])، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: (إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) ([16])، وقال صلوات ربي وسلامه أيضاً: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)([17]).

    السبب الخامس: الجهل بمقاصد الشريعة

    ومن أسباب الإرهاب الجهلُ بمقاصد الشريعة الغراء، وفهمُ النصوص الشرعية فهماً قاصراً وحملُها على ظواهرها دون اعتبار القواعد والضوابط، ودون تفريع الفروع على الأصول، ودون التفات إلى مقاصد الشريعة، ولا الضروريات الخمس التي جاءت الشرعية بحفظها من الدين والنفس والعقل والمال والعرض. والفهم بمقاصد الشريعة هو لب الفقه وأصل الاستنباط، قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: “الفقه في الدّين هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها”([18]). فالجهل بها جهل بالشريعة، وقد تسبب هذا لجذب طائفة من الشباب المسلم إلى فكرة الإرهاب.

    وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة في حديث ذي الخويصرة: “إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرَهم يمرقون من الدين مروقَ السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان”([19]).

    قال الشاطبي- رحمه الله- في شرحه:”… وبيَّن من مذهبهم في معاندة الشريعة أمرين كليين أحدهما: اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول، وهو الذي نبه عليه قولُه في الحديث (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض ويضاد المشي على الصراط المستقيم … والثاني: قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان على ضد ما دلت عليه جملة الشريعة وتفصيلها … فهذان وجهان ذكرا في الحديث من مخالفتهم لقواعد الشريعة الكلية اتباعاً للمتشابهات”([20]).

    السبب السادس: ظاهرة التكفير

    الغلو في المعتقدات والتشددُ في تطبيقِ الأحكام الشرعية مع القصور بمقاصد الشريعة وقواعدها أدى بعض الشباب الملتزمين إلى تضليل جماهير المسلمين وتكفيرهم، فحكموا بذلك على الأشخاص والجماعات والأنظمة دون تثبت، أو اعتبار للضوابط الشرعية في باب التكفير، ورتبوا على ذلك استباحة الدماء والأموال، والاعتداء على حياة الناس الأبرياء، الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، والاعتداء على مصالحهم العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها.

    وقد حذر الإسلام عن تكفير أي مسلم بغير برهان من الكتاب والسنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما) ([21]). وحرم الإسلام دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)([22]).

    ولا زال العلماء والفقهاء يحتاطون في مسألة التكفير ويحذرون من خطورته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فإن الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله وتصديق ما أخبر الله به رسوله”([23]). وسيأتي له زيادة تفصيل إن شاء الله.

    القسم الثاني: الحلول العلمية

    الأول: ضرورة التغيير في المناهج التعليمية:

    أولاً: في المدارس الابتدائية والثانوية:

    إن المناهج الدينية المقررة في مدارسنا تحتاج إلى مراجعة دقيقة، فالمناهج الجارية في مدارس الدول الإسلامية- خصوصاً إلى المرحلة الثانوية- فيها نقص الوعي الديني، فهي لا تؤهل الطفل مثقفاً بالثقافة الإسلامية، بل ترتكز على تعليم بعض النصوص الشرعية من حيث المعنى الظاهري اللغوي، ولا تلبي حاجات الطلاب في توعيتهم في أمور دينهم، ولا شك أنه يكون له الأثر السلبي على سلوك الأفراد وثقافاتهم واتجاهاتهم.

    فمن اللازم تغيير هذا الأسلوب، فبدلاً من سرد المعلومات يجب التركز على العلوم التربوية المشتملة على الآداب الشرعية والقيم الإسلامية والحقوق الإنسانية- مثل حقوق الآباء على الأولاد، وآداب الطلاب تجاه المشايخ والعلماء، وحقوق الجيران والأقارب وحقوق المسلمين بعضهم مع بعض-، ويكثر فيها من قصص الأنبياء والسلف من العلماء والزهاد والصالحين؛ كي تزرع في قلوب الأطفال حب الدين وتقليد الآداب الشرعية واحترام العلماء والصالحين، كما ينبغي أن يكون المعلمون قدوة للطلبة وذوي حياة مثالية -وإن لم توجد عندهم شهادات علمية عالية-، فإن هذه المرحلة مرحلة التقليد، الطلاب يحاولون أن يقلدوا أساتذتهم في السير والسلوك، فعلى من يقوم على المعاهد الدينية أن يختاروا من المعلمين ذوي السيرة المحمودة والسلوك الديني لغرس روح الشريعة في قلوب الأطفال.

    ثانياً: ما بعد المرحلة الثانوية:

    يجب أن نعيد النظر في مناهج الدراسة في المرحلة الجامعية -العالية والعليا-، بحيث يكون العلم مؤصلاً ومبنياً على القواعد الشرعية والضوابط الأصولية، ولا يكون بث المعلومات فقط. فيجب أن يكون المنهج يشتمل على ما يلي:

    1 – دراسة النصوص الشرعية دراسة تأصيلية:-

    فبدلاً من سرد النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وشرح كلماتها شرحاً لغوياًّ يجب بيان سياق الآيات وأسباب نزولها وبيان الظروف التي وردت فيها الأحاديث النبوية، ففهم النصوص بدون فهم سياقها سبب الضلال والاختلاف، فعن إبراهيم التميمي- رحمه الله- قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم، فجعل يحدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيّها واحد وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، وقال:أعد علي ما قلته، فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه”([24]).

    وقال الشاطبي- رحمه الله- في الموافقات: “أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حالَ الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطِب أو المخاطَب أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين وبحسب مخاطبين وبحسب غير ذلك، كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معانٍ أخرُ من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد”([25]).

    كما يجب شرح معاني النصوص وفق ما شرحه العلماء دون الاقتصار على الشرح اللغوي، ويجب بيان أقوالهم والنقل من كتبهم المعتمدة، وتعليم كيفية الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وهكذا كان منهج الدراسة في القرون السابقة، لم يكن قصدهم إلى تكثير المعلومات المتشتتة، بل كانوا يعتمدون على التفقه والتعمق في العلم وإيجاد ملكة الاستنباط والفتوى، مما جعلهم ذوي بصيرة وضبط في العلوم الشرعية.

    2 – أصول الفقه وضوابط الفتوى والاستدلال:-

    فبعد ما وقع تحريف النصوص عن مواضعها وحملها على غير مقاصدها تظهر جلياًّ أهمية دراسة أصول الفقه وضوابط الاستنباط واستخراجِ الأحكام من النصوص الشرعية ومن الجمع بين النصوص والترجيح بين الأدلة. وأصول الفقه هو الذي يتكفل بهذا الموضوع، إذ يبحث عن الأدلة الشرعية وكيفية استنباط الأحكام منها، وصفات المجتهد إلى غير ذلك مما يحتاج إليه الفقيه.

    3– مقاصد الشريعة كمادة مهمة:-

    فمن أسباب الإرهاب الجهل بمقاصد الشريعة كما سبق، وهي الحِكَمُ والمصالح التي شرعت لها الأحكام والتي تعود إلى إقامة المصالح الأخروية والدنيوية. ويدخل فيها بيان وسطية الإسلام ولزوم حفظ الضروريات الخمس من الدين والنفس والعقل والعرض والمال؛ فإن حفظها هو المقصد الأصلي من التشريع. قال الشاطبي- رحمه الله-: “فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري”([26]).

    فعلى سبيل المثال: المقصود من تشريع الجهاد تعزيز الإسلام والنكاية بأعدائه، فمتى لم توجد هذه المصلحة بأن كان المقتولون مسلمين أو ليس هناك تعزيز للدين لم يشرع هناك الجهاد، كما في واقعة صلح الحديبية، فقد كانت الصحابة رضي الله عنهم يرون الصلح ذلاًّ للمسلمين واستسلاماً أمام الكفار، فطلبوا الجهاد واختاروه على التصالح مع الكفار، وحدث يومئذ من المواقف العاطفية ما هو مشهور في كتب التاريخ، ولكن الشارع علم أن المصلحة في ترك الجهاد وقبول الصلح.

    ذكر العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “فإن قيل: لم التزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدين؟ قلنا: التزم ذلك دفعاً لمفاسد عظيمة، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة لا يعرفهم أهل الحديبية وفي قتلهم معرة عظيمة على المؤمنين، فاقتضت المصلحة إيقاع الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إلى المؤمنين وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين، مع أن الله عز وجل علم أن في تأخير القتال مصلحةً عظيمةً وهي إسلام جماعة من الكافرين”([27]).

    وليس المقصود إيراد الأمثلة الكثيرة، فهي لا تحصى، بل قصدي التنبيه على وجوب إدخال هذه المادة – مقاصد الشريعة- كمادة أصلية في المناهج، حتى يعرف الطلاب مصالح الأمة ومفاسدها.

    4- بيان المصطلحات الشرعية وضبطها بضوابط واضحة، وخاصةً الكلمات التي يتشبث بها الإرهابيون، كمصطلح الجهاد، ودار الحرب، وحقوق ولي الأمر، وحقوق الراعي على الرعية، والولاء والبراء، والعهود عقدها ونقضها، والتعامل مع المعاهد والمستأمن؛ فإن بعض المسائل الفقهية صارت مسائل عقدية عند الإرهابيين، كالجهاد الشرعي، فله شروط وآداب وموانع مفصلة في كتب الفقه، فليس الجهاد واجباً مطلقاً بل هو واجب مقيد، ولا يطلع على هذا الفرق إلا ببيان هذه المصطلحات.

    5 – أدب الخلاف:

    الإرهابيون لا يؤمنون بالحوار مع الآخر، ولا يعترفون بحرية الدين أو التعامل مع الأجنبي وبقائه في البلاد الإسلامية، فيجب أن يكون منهجنا الدراسي في المراحل العليا يشمل أدب الخلاف بين الأديان المختلفة، وكذا بين الفرق الإسلامية، وبين المذاهب الفقهية، وأن يتضمن قيم الحوار والنقد والتعايش، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }([28]).وقد أشار تعالى إلى أدب الخلاف مع الكفار بقوله: { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }([29]).

    وكما نرى ذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع اليهود في المدينة وكفار قريش في مكة، وفي صلح الحديبية وفي سيرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تعامله مع الخوارج بإرسال ابن عباس لكشف شبههم، وكل ذلك يدلنا على أدب الحوار والنقد ورعاية مصلحة المؤمنين.

    6- الاهتمام بإبراز محاسن الدين الإسلامي والأخلاق الدينية السامية، والآداب الشرعية، وحقوق المسلمين بعضهم مع بعض، وبيان الحياة الاجتماعية في الإسلام وأهمية لزوم الجماعة وعدم الشذوذ في الأفكار والتعامل. قال صلى الله عليه وسلم:( عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة )([30]) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)([31]) إلى غير ذلك من الأحاديث المشهورة.

    7- الاهتمام بعلوم العربية:

    وهناك نقص حادّ في دراسة علوم الآلات- علوم العربية من النحو والصرف والبلاغة- في مناهج الدراسة في الكليات والجامعات، أو هناك تقصير ملحوظ في الاهتمام بها؛ وأكثر المتخرجين من الجامعات ليسوا  متمكنين في علم النحو والصرف والبلاغة، وحتى كثير من الأساتذة ليس لديهم من علوم العربية ما يمكِّنهم أن يدرِّسوا الكتب بدون أخطاء نحوية، وأظهر من هذا الأخطاء النحوية والصرفية بين الخطباء، ولا نكاد نسمع خطبةً من خطب الجمعة إلا وفيها أخطاء فادحة مما يدلنا على لزوم الاهتمام بهذه المادة في المناهج الدراسية، وكما نعرف أن النصوص الشرعية في اللغة العربية بل في غاية البلاغة والفصاحة، فما دام الطالب لم يتمكن في علوم العربية لا يستطيع فهم الكتاب والسنة، ولذلك اشترط الأصوليون في المجتهد أن يكون بصيراً باللغة، كما سيأتي عن الشافعي- رحمه الله-، وفهم النصوص بدون التمكن في اللغة يوقعه في فهم خاطئ مما يؤدي إلى انحراف الأفكار، وربما إلى الإرهاب.

    الثاني: كون المشايخ والأساتذة ذوي الكفاءة العالية

    قال الشاطبي- رحمه الله- في الموافقات: “من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذُه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام”([32])، وقال في تفصيل هذا الكلام: “فلا يؤخذ إلا ممن تحقق به وهذا أيضاً واضح في نفسه، وهو أيضاً متفق عليه بين العقلاء، إذ من شروطهم في العالم بأيِّ علم اتفق أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم، قادراً على التعبير عن مقصوده فيه، عارفاً بما يلزم عنه، قائماً على دفع الشبه الواردة عليه فيه، فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه وعرضنا أئمة السلف الصالح في العلوم الشرعية وجدناهم قد اتصفوا بها على الكمال”([33]).

    ومن مشاكل العصر قلة العلماء الراسخين الذين يعتمد عليهم ويرجع إليهم المسلمون في معضلات دينهم ومشكلات حياتهم، كما حذر منه  النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) ([34])، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( لا يزال الناس بخيرٍ ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا)([35]).

    وإدارة الجامعات الإسلامية والمعاهد الدينية توظف الأساتذة والمعلمين استناداً إلى شهاداتهم- وليس أمامها إلا ذاك-، ومن المعلوم أن حصول الشهادات أمر سهل في هذا العصر، وفي أكثر الأحوال ليست الشهادات دليلاً على مهارة الشخص وكفاءته العلمية، والأساتذة والمعلمون غير المؤهلين يعود ضررهم على الطلبة، إذ الجيل الجديد يعيش في ظروف غير ظروف الأساتذة، ويختلطون بمجتمعات غير الإسلامية وذوي أفكار زائعة، فلديهم وقائع ومستجدات، ولهم إشكالات وصعوبات يواجهونها، ولا بد أن يكون الأساتذة والمشايخ قادرين على إقناعهم، وإزالة شبههم في أمور الدين وإرضائهم بمحاسن الشريعة، قبل أن تنفر نفوسهم عن هذا الدين الحنيف وتنحرف أفكارهم عن الصراط المستقيم.

    الثالث: وضع ضوابط للإفتاء والمفتي

    قال مالك- رحمه الله-:”ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعاً لذلك؟ سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نهوك؟ قال: كنت أنتهي”([36]).

    قال الشافعي– رحمه الله-: “لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيراً باللغة بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي”([37]).

    ونقل الإمام ابن القيم – رحمه الله- في إعلام الموقعين: “وقال محمد بن عبد الله بن المنادي: سمعت رجلاً يسأل أحمد إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيهاً؟ قال: لا، قال: مائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف، قال: لا، قال: فأربعمائة ألف، قال: بيده هكذا وحرك يده” قال أبو الحسين وسألت جدي محمد بن عبيد الله قلت: “فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل قال أخذ عن ستمائة ألف”.

    “قال القاضي أبو يعلى: “وظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى”([38]).

    وهذا بالنسبة للمجتهد المطلق كما هو ظاهر للمتأمل، إلا أنه يدل على خطورة التكلم في حكم الله؛ لأن المفتي يحكم بحكم الله، فينقل الحكم عن الله، فيقول: إن حكم الله في المسألة كذا وكذا، ولا يقول: إن حكمي في المسألة كذا وكذا، فالإفتاء في المسائل الشرعية يتوقف على كثير من الضوابط والشروط كما نبه عليه الشافعي- رحمه الله-، إضافة إلى أن الإفتاء يتوقف على معرفة مقاصد الشريعة ومصالح الناس، ولا يدركها إلا الراسخون في علم الشريعة، وتفاصيل أحكامها، وغايات تشريعاتها. وأما غير الراسخ في العلم فيأخذ بجزيئات من النصوص، ويقول فيها برأيه، فيعطل مصالح عامة معتبرة، وربما اقترن بالجهل بالمقاصد بعض الأهواء الكامنة في النفوس الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل، والمانعة من الاعتراف بالعجز فيما لم يصل إليه علم الإنسان.

    ومما أصاب كثيراً من العلماء – إلا من وفقه الله- حب الشهرة والسمعة والجاه أمام المجتمع، مما أداهم إلى نصب أنفسهم مفتين (وخاصةً في المواقع الإلكترونية)، فيحكمون في دين الله بدون فقه ولا علم، ولا ضوابط لفهم الأدلة، وضرره على المجتمع كبير، فالعوام يتحيرون بين الفتاوى المضطربة في موضوع واحد، ولا شك أن للفتاوى الخاطئة تأثيراً بليغاً في تضليل الشباب، لاسيما طلبة العلم، وفي زرع فكرة الإرهاب والتشدد في قلوبهم.

    فيجب على السلطات الدينية والحكومات الإسلامية وضع حدّ لهذه الظاهرة، ووضع ضوابط لإصدار الفتاوى، ووضع الشروط والقيود لمن ينصب نفسه مفتياً، كما يجب تحذير الأمة من ضرر الفتاوى الخاطئة، وترغيبهم على الأخذ بالفتاوى الجماعية والقرارات الصادرة من الهيئات الشرعية الموثوقة والتي تتضمن الفقهاء الراسخين، كالمجمع الفقهي الإسلامي بمكة، ومجمع الفقه الإسلامي بجدة ونحوهما، منعاً لانتشار فكرة التضليل والإرهاب بين الأمة وترويجها بين الشباب.

    الرابع: الحد من ظاهرة الترجيح بين المذاهب بدون قواعد

    ولا أقصد به التشجيع على التقليد الأعمى والجمود الفكري، ففي ضوء المستجدات والوقائع لا بد من علماء حاذقين يستنبطون أحكامها، ويحلون مشاكلها، ولكن الذي أشير إليه أن إرسال العنان في باب الترجيح بين أقوال العلماء بدون أي ضوابط وأصول صار سبباً لاضطراب الفتاوى المعاصرة، حتى صار الترجيح بين المذاهب شيئاً عادياًّ بين طلبة العلم، فكثير من الطلاب الجامعيين يرجحون آراءهم بما عندهم من أحاديث معدودة – ثلاثة أو أربعة مثلاً-، ويحكمون بها على الأئمة الأربعة الذين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث وحرروا مذاهبهم منها! وبعض الأساتذة يشجعون الطلاب ويمرِّنونهم على اختيار ما ترجح عندهم من أقوال العلماء! وهذا أسلوب خاطئ يجب اجتنابه، وخطر هذا الأسلوب من وجوه:

    أولاً: اتباع الهوى في دين الله؛ لأن هذا المرجِّح لا يعلم في المسألة إلا طرفاً من الأحاديث المعدودة لا أكثر، ولم يحط بمواقع الإجماع، ولا شروط القياس، وليس عنده أي ضوابط وقواعد للترجيح.

    ثانياً: قلة الاحترام مع العلماء السابقين كالأئمة الأربعة وغيرهم؛ لأنه يعدهم غير مطلعين على ما عنده من الأحاديث! أو مقصرين في الاجتهاد!

    ثالثاً: حرية الفكر في المسائل الدينية تؤديه إلى فكرة الاستغناء وعدم الاعتماد على العلماء.

    رابعاً: يسبب لزرع فكرة الضلال والغلو والإرهاب في نفسه؛ لأنه يفهم الدين بنفسه من عموم الآيات والأحاديث بدون أصول وضوابط.

    وأشد من هذا خطراً أن بعض الطلبة يدعون أنهم أهل الاجتهاد من النصوص الشرعية، وأحياناً يرددون كلام الإمام الشافعي: “نحن رجال وهم رجال”!! وكم كان السلف يحتاطون في باب الاجتهاد، وكم كان الفقهاء في القرون السابقة يتحرزون من ادعاء الاجتهاد كما سبق من أقوال الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهم الله.

    فلا بد من تغيير هذا الأسلوب من الجامعات والكليات.

    الخامس: التحذير من الغلو والاحتياطُ في مسألة التكفير

    الغلو في العقيدة أصل أصيل في نشأة الإرهاب، وقد نهانا الإسلام عن الغلو في العقيدة والأعمال، قال تعالى: { قل يَا أهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فيِ دِينِكُمْ ولاَ تَقُولُوا علَى الله إلا الحقَّ }([39])، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والغلو في الدين وإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)([40])،ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلوّ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه “([41]).

    والغلو في العقيدة أصل تكفير جمهور الأمة وتضليلهم، وهذا التكفير والتضليل من أهم سمات الإرهاب، بل هو أهم أسبابه، وللأسف، أن بعض المنسوبين للعلم – خصوصاً بعض المتشددين في السلفية والغالين في التصوف-، أطلقوا عنان ألسنتهم في تكفير بعض المسلمين بسبب وقوعهم في المخالفات الشرعية عندهم- العقدية أو العملية-، حتى صار ذلك تبادلاً بالتكفير بين الفريقين، وهكذا بدأ الغلو في القرون السابقة عن طريق التبادل بين الطوائف المختلفة، فالخوارج غلوا في الوعيد، فقابلهم المرجئة بالغلو في الوعد، وبدعة الجبرية كانت ردة فعل لبدعة القدرية، والشيعة غلوا في علي رضي الله عنه، فقابلهم الخوارج بتكفيره، والمعتزلة غلوا في التنزيه بنفي الصفات، والممثلة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه.

    ولا يخفى على العلماء خطورة قضية التكفير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما) ([42])، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([43]).

    ولا زال العلماء والفقهاء يحتاطون في مسألة التكفير ويحذرون من خطورته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “فإن الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله وتصديق ما أخبر الله به رسوله”([44]).

    ويقول الغزالي -رحمه الله- :”والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم … وهذه الفرق منقسمون إلى مسرفين وغلاة، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد يرى تكفيرهم وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر. وتفصيل آحاد تلك المسائل يطول، ثم يثير الفتن والأحقاد، فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يحركهم التعصب واتباع تكفير المكذب للرسول، وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلاً ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بد من دليل عليه، وثبت أن العصمة مستفادة من قول لا إله إلا الله قطعاً، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع”([45]).

    ولذلك وضع الفقهاء شروطاً وضوابط للتكفير، من أهمها ما يلي:

    1-             وجوب التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين:

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ( إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه)([46]).

    2- أن يكون عالماً بأن فعله مكفِّر، فلا يكفر إن كان جاهلاً كأكثر عوام المسلمين.

    3-    أن يقول الكفر أو ما يفعله مختاراً مريداً فلا يكفر المكره على فعل أو قول الكفر .

    4- ألا يكون له شبهة أو فتوى عالم بجواز ما يفعله بخلاف ما إذا كان هناك من الفقهاء بجواز ذلك،  فلا يكفر؛ لأنه متأول في فعله أو قوله، كما هو الحال في كثير مما يفعله العوام.

    إلى غير ذلك من الشروط والضوابط.

    وكان خطر هذا التساهل في التكفير أشد مما توقعه هؤلاء المكفرون، ولعل هدفهم صحيح من تحذير الأمة عن الأمور الشركية والبدعية ونصحهم باجتنابها، إلا أن طائفة من الجيل الجديد تربوا على هذا الأسلوب ونشأوا على التساهل وعدم الاحتياط في مسألة التكفير، وتشددوا في نسبة عوام المسلمين إلى الضلال مما جعلهم يعتقدون بكفر جمهور الأمة الإسلامية، وبكل صراحة، أن هذا الأسلوب الخاطئ في الدعوة قد ساهم بدور كبير في جعلهم غلاةً إرهابيين ومتشددين في تطبيق الأحكام الشرعية، وخيرُ شاهدٍ على هذا أن الطوائف الإرهابية المتشددة – مثل داعش، وجبهة النصرة، وبوكو حرام- ينسبون أنفسهم إلى السلفية وأدخلوا الكتب السلفية في المناهج المدرسية في المناطق التي استولوا عليها.

    ومع ذلك لا بد من إعادة النظر في أسلوب دعوتنا، فيجب علينا تربية الجيل الجديد على وعي كامل بخطورة التكفير ونحرضهم على طلب العذر لعوام المسلمين إن وقعوا على المخالفات الشرعية، وندخل في المناهج الدراسية ما يحتاج إليه في هذا الموضوع. – وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

    المراجع

    1-            القرآن الكريم.

    2-            صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422هـ.

    3-            صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

    4-            مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد ، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ – 2001 م.

    5-            سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

    6-            سنن البيهقي الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز – مكة المكرمة 1414 – 1994.

    7-            سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمدبن شعيب النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، الطبعة الثانية 1406هـ – 1986م.

    8-            سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي،دار الفكر – بيروت.

    9-            سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي السلمي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون دار إحياء التراث العربي – بيروت.

    10-        المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد,‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين – القاهرة 1415.

    11-        حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الرابعة 1405هـ.

    12-        شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زعلول، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ،

    13-        مدارج السالكين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي المعروف بابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الثانية ، 1393 – 1973.

    14-        مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تحقيق: أنور الباز – عامر الجزار، دار الوفاء، الطبعة الثالثة 1426 هـ / 2005 م.

    15-        قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، تحقيق:محمود بن التلاميد الشنقيطي، دار المعارف، بيروت – لبنان.

    16-        الموافقات في أصول الفقه، إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت- لبنان.

    17-        إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة، 1388هـ/1968م.

    18-        الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، مكتبة الشاملة.

    19-        الفقيه والمتفقه،أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، المعروف بالخطيب البغدادي، تحقيق : عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، الرياض،  سنة 1417ه.

    قرارات المجمع الفقهي الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، من الدورة الأولى (1398 هـ) – إلى الدورة التاسعة عشرة (1428هـ )

    ([1])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم: (1385)، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم: (2658).

    ([2])   سورة الكهف: الآية (104).

    ([3]) وقد أشار المجمع الفقهي في قراره رقم: 97 (1/17) في الدورة السابعة عشرة إلى أهم أسباب الإرهاب والانحراف، وهي ما يلي: ” أ- الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية، واستغلال ذلك في تجنيد عدد من شباب الأمة، ضمن عصابات البغي والإجرام والإفساد في الأرض ، انطلاقاً من مفاهيم استحلت تكفير المسلمين واستباحت دماءهم.ب- ضعف العلاقة بين العلماء الثقات وبعض الشباب، الذين لم يجدوا الرعاية والعناية التربوية الكافية، فانساقوا مع الغلاة من الناس واتخذوا من الفكر المنحرف منهاجاً.ج- تعدد مظاهر الانحراف عن دين الله، وخاصة في بعض وسائل الإعلام، مما أحدث في نفوس البعض ردة فعل، جعلتهم يغالون في التفكير، ويجنحون عن الإسلام وعّما تضمنه من الحث على الود والمحبة والتواصل والتعاون والتسامح والرأفة والرحمة بين المسلمين”.

    ([4])   سورة الزمر: الآية (9).

    ([5])   سورة الأنعام: الآية (153).

    ([6])   سورة الأحزاب: الآية (36).

    ([7])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقول الله تعالى {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}، رقم: (6930)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، رقم (1066).

    ([8])   سورة التوبة: الآية (100).

    ([9])   سورة النساء: الآية (171).

    ([10])   سورة النحل: الآية (116).

    ([11])   أخرجه النسائي في سننه، كتاب مناسك الحج، باب التقط الحصى، رقم (3057)، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، رقم (3029)، والإمام أحمد في المسند، رقم (1851)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب المناسك، باب أخذ الحصى لرمي جمرة العقبة وكيفية ذلك، رقم (9317).

    ([12])   أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، رقم (2670).

    ([13])   شرح صحيح مسلم للنووي (4/2055).

    ([14])   أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، رقم (39).

    ([15])   أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} شديدة {عاتية}، رقم (3344)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم (1064).

    ([16])   أخرجه البخاري، في صحيحه،  كتاب الاعتصام بالكتاب السنة، باب ما يقال من ذم الرأي وتكلف القياس، رقم (7307)، ومسلم في صحيحه، كتاب العلم،  باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، رقم (2673).

    ([17])   أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، برقم: (8140).

    ([18])   مجموع الفتاوى (11/354).

    ([19])   الموافقات (4/178-180).

    ([20])   الموافقات (4/178-180).

    ([21])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال رقم (6103).

    ([22])   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع،رقم (67)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، رقم (1679).

    ([23])   مجموع الفتاوى (5/554-555).

    ([24])   أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم (2283).

    ([25])   الموافقات (3/347).

    ([26])   الموافقات (1/38).

    ([27])   القواعد الكبرى (1/109).

    ([28])   سورة النحل: الآية (125).

    ([29])   سورة الجاثية: الآية (18).

    ([30])   أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم: (2165)، والنسائي في سننه، كتاب الإمامة، باب التشديد في ترك الجماعة، رقم (847).

    ([31])   أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في قتل الخوارج، رقم (4760)، والترمذي في سننه، كتاب الأمثال، باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، رقم (2863)، والنسائي في سننه، كتاب قطع السارق، باب تعظيم السرقة، رقم (4872)، والإمام أحمد في المسند، رقم (21460) وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة في المصنف، والطبراني في الكبير، والبيهقي في السنن الكبرى وغيرهم.

    ([32])   الموافقات (1/92).

    ([33])   المرجع السابق.

    ([34])   سبق تخريجه.

    ([35])   أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (8/43).

    ([36])   المرجع السابق (2/209).

    ([37])   كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/38).

    ([38])   إعلام الموقعين (1/46).

    ([39])   سورة النساء: الآية (171).

    ([40])   سبق تخريجه.

    ([41])   مدارج السالكين (2/496).

    ([42])   سبق تخريجه.

    ([43])   أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر، رقم (60).

    ([44])   مجموع الفتاوى (5/554-555).

    ([45])   الاقتصاد في الاعتقاد ص81.

    ([46])   مجموع الفتاوى (12/488).

  • تفسير إشارات الإعجاز فى مظان الإيجاز للإمام سعيد النورسي دراسة تحليلية

    تفسير إشارات الإعجاز فى مظان الإيجاز للإمام سعيد النورسي دراسة تحليلية

    بقلم

    الدكتورعرفات

    ظفر

    استاذمساعد

    قسم اللغة العربية وآدابها،جامعة لكناؤ

    لكناؤ- الهند

    كان الإمام بديع الزمان سعيد النورسي ( 1876 – 1960 ) من العلماء الربانيين والمصلحين المتنورين ومن المفسرين الملهمين ومن أولياء الله المجددين للدين ، أنه ولد فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر بتركيا ، ونشأ وشب فى مجتمع ساده الجهل والفقر والانشقاق واللادينية ، وفى هذا الجو أنه اعتنى أولا بتعلم العلوم العربية والإسلامية وقرأ على كبار علماء عصره ، فتبحر فيها وكان معروفا بسرعة استيعابه للعلوم حتى أنه حفظ ما يقرب من تسعين كتابا من أمهات الكتب و هكذا أنه تفقه فى الدين ، وبسبب حدة ذكائه وقوة حافظته وعلمه الغزير وطلاعه الواسع أنه سمّي ” بديع الزمان ” كنوع من الاعتراف من قبل اساتيذه واصحاب العلم والمعرفة.

    ثم انصرف إلى تعلم العلوم الحديثة وسبر اغوار هذه العلوم بنفسه دون معونة أحد ودون اللجوء إلى مدرس يدرسه إياها حتى تعمق فيها. وهكذا أنه جمع بين القديم والحديث وأصبح مجمع البحرين وذاعت شهرته إلى أقاصي البلاد وأدانيها ، حتى قيل :  ” إن علمه ليس كسبيا وإنما هو هبة إلهية وعلم لدني “. (1)

    وبعد النبوغ فى العلوم الدينية والعصرية أنه نذر حياته لإعلاء كلمة الله وتوضيح عقيدة الإسلام وبيان احكامه وعللها وقام باصلاح المجتمع التركي وإيقاظه وإعادة الروح الديني فيه ودحض الافكار المنحرفة وأبطل الفلسفات الجديدة من خلال كتاباته وخطاباته لكي ينجوالمسلمون عامة ومسلمو بلاده خاصة من الغزوالفكري والمادي الذي قد تعرضوا له.

    وفى هذا الصدد أنه قام بتربية الشباب على منهجه الخاص لكي يقدروا على مواجهة الهجوم الغربي والصراع الحضاري ومقاومته الذي كان يتسلل رويدا رويدا إلى المجتمع الإسلامي ويزعزع بنيانه فى معظم البلدان الإسلامية.

    ومن المعلوم أنه بسبب رفع صوته ضد النظام واستبداده وبدعوته إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية فى بلاده تعرض للسجن والنفي والإيذاء والمحاكمة ، فعندما سجنته الحكومة التركية آنذاك سنحت له الفرصة للتدبر فى معانى القرآن الكريم ومقاصده وانكشفت عليه مطالب جليلة ومفاهيم قيمة وجوانب بديعة من فيوض كتاب الله العظيم. وفى هذه الأثناء أدلى وزير من الحكومة البريطانية بتصريح قال فيه : ” مادام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم ، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به. ” (2)

    فزلزل هذا الخبر كيان الإمام النورسى وأقض مضجعه، ومنذ ذلك الحين أنه جعل خدمة القرآن الكريم هدفا لعلمه وغاية لحياته وقرّر أنه يستخدم جميع العلوم القديمة والحديثة – التى  حصل عليها حتى الآن – لإدراك معاني القرآن الكريم السامية وبيان اغراضه وإثبات حقائقه الغراء.

    فبفضل ذلك المحصول العلمى الكبير الذي اكتسبه منذ طفولته حتى الآن أنه تمكن من تأليف الكتب والرسائل لنشر الحقائق والمعارف الإسلامية باللغتين العربية والتركية واشتهرت هذه الرسائل فيما بعد بإسم ” رسائل النور” والجدير بالذكر أن رسائله باللغة العربية سبقت الرسائل باللغة التركية ، لأن التأليف باللغة العربية قد انقطعت بانتهاء الدولة العثمانية.

    ومن باكورة اعماله التأليفة تفسيره القيم الذي سماّه ” إشارات الإعجاز فى مظان الإيجاز، وألّفه باللغة العربية ، إنه قام بتأليف هذا التفسير اذ كان يقاتل على جبهة قفقاص ضد الجيش الروسى خلال الحرب العالمية الأولى وحسب قول الشيخ صدرالدين البدليسي ” كان الأستاذ يناضل ويطلق بندقيته فى صدور الأعداء من جهة ويضع فى مصنع دماغه قنبلة اعجاز القرآن الذرية ليحطم بها بنيان الكفر والضلال من جهة أخرى ، ….. إن ذلك الوقت العصيب والموقف الرهيب لم يدهش المؤلف ولم يذهل فكره الثاقب عن الجولان فى مناحى اعجاز القرآن المبين. ” (3)

    ويعتبر الباحثون والمحللون هذا التفسير بمثابة البذور الأولى لتلك المؤلفات و الرسائل التي قدمها الإمام النورسى باسم رسائل النور إلّا أنه وجّه خطابه فى هذا التفسير إلى خاصة تلاميذه ، كما يقول الدكتور محسن عبد الحميد فى هذا الخصوص:

    ” إنه ما من فكرة شرحها أو بسطها أو مثل عليها إلّا تجد لها بذورا موجزة أو مفصلة فى هذا الكتاب العلمى الرصين ( إشارات الإعجاز ) ، ….. غير أنه اتجه فى كتابه هذا إلى مخاطبة خاصة تلاميذه ” (4)

    وأما تفسيره ” إشارات الإعجاز ” فهو تفسير غير مكتمل ويشتمل على تفسير البسملة وسورة الفاتحة وثلاث وثلاثين آية من أوائل سورة البقرة ، ولم يكتب المؤلف رحمه الله أية مقدمة مستفيضة لهذا التفسير حيث يوضح منهجه فى التفسير ويلقي الضوء على خصائص تفسيره ، ولعل السبب فى ذلك أنه ألف هذا التفسير فى خضم المعارك  كما سبق ذكرها، وهذا التفسير – كما يترشح من إسمه – يشير إلى إعجاز القرآن ووجوهه بغاية الايجاز والاختصار.

    وفى البداية كان الشيخ يود أن يؤلف هذا التفسير هيئة عالية من العلماء المتخصصين الحائزين على اعتماد الجمهور وثقتهم ، ليكون تفسيرا يستجيب لحاجات القرن العشرين ومرجعا لجميع طبقات المسلمين ،  كما هو يقول:

    ” لما كان القرآن جامعا لأشتات العلوم وخطبة لعامة الطبقات فى كل الاعصار ، لا يتحصل له تفسيرلائق من فهم الفرد الذي قلما يخلص من التعصب لمسلكه ومشربه ، ….. وكذلك لابد لكشف معاني القرآن وجمع المحاسن المتفرقة فى التفاسير وتثبيت حقائقه …. من انتهاض هيئة عالية من العلماء المتخصصين المختلفين فى وجوه الاختصاص ، ولهم مع دقة نظر وسعة فكرلتفسيره. ” (5)

    ولكن لم يتم تشكيل هذه الهيئة العالية من العلماء المتميزين والإخصائيين البارزين فى مختلف مجالات العلوم والفنون ، وبعد انتظار طويل أنه بدأ العمل وحيدا فى هذا المجال ، وفى هذه الأثناء اندلعت الحرب العالمية الأولى ، فكان الإمام النورسى يجاهد فى ساحات القتال ويفسّر القرآن فى ساعات الفراغ ، كما يقول نفسه فى هذا الشأن :

    ” ثم إني بينما كنت منتظرا ومتوجها لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك – وقد كان هذا غاية خيالي من زمان مديد – إذ سنح لقلبي من قبيل الحس قبل الوقوع تقرب زلزلة عظيمة ( يعنى الحرب العالمية الأولى ) ، فشرعت – مع عجزي وقصوري والإغلاق فى كلامي – في تقييد ما سنح لي من إشارات اعجاز القرآن فى نظمه وبيان بعض حقائقه ، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير ، فإن وافقها فبها ونعمت وإلّا فالعهدة علي …… فوقعت هذه الطامة الكبرى ….. ففى أثناء اداء فريضة الجهاد كلما انتهزت فرصة فى خط الحرب قيدت ما لاح لي فى الأودية والجبال بعبارات مختلفة باختلاف الحالات ، ….. فأعرضها لأنظار أهل الكمال، لا لأنه تفسير للتنزيل بل ليصير – لو ظفر بالقبول – نوع مأخذ لبعض وجوه التفسير ، وقد ساقني شوقي إلى ما هو فوق طوقي فإن استحسنوه شجعوني على الدوام ” (6)

    ومن ابرز ميزات هذا التفسير أن الإمام النورسي قد أولى فيه اهتمامه بالجانب البلاغي وبيان ألفاظها وإشاراتها و التزم فيه ببيان النظم بين الآيات المختلفة ويرى أن النظم القرآني هو الوجه الأول والأظهر من وجوه اعجاز القرآن الكريم ، ولإظهاره وبيانه أنه ألف هذا التفسير القيم ، ولابد من الإشارة هنا إلى أن الإمام النورسي لم يؤلف كتابا مستقلا لبيان آرائه فى نظم القرآن وتوضيح أفكاره حول إعجاز القرآن ، كما ألف عدد من العلماء المتقدمين ومن المتأخرين المفسر الهندي الجليل الإمام عبدالحميد الفراهي.

    وأما نظرية النظم فلم تكن نظرية جديدة ، بل تناولها العلماء فى تفاسيرهم تناولا جيدا وتحدثوا عنها فى مؤلفاتهم باسهاب ، فقد أخذ الإمام النورسي هذه النظرية من العلامة عبد القاهر الجرجاني وتأثربه تأثرا بالغا وأعجب بنظريته فى نظم القرآن إعجابا كثيرا ، ولكنه لما ألقى النظر فى تفاسير القدماء وجد أن هولاء العلماء لم ينجحوا فى تطبيق هذه النظرية عند التفسير ، كما يقول الدكتور محسن عبد الحميد فى مقدمته لإشارات الإعجاز:

    ” وكأني بالأستاذ النورسي درس نظرية النظم هذه دراسة متقنة ، ثم ظهر له أن المفسرين الذين سبقوه كالزمخشري والرازي وأبي السعود لم يحاولوا تطبيقها من حيث هي منظومة متكاملة تشمل ترتيب السور والآيات والألفاظ سورة بعد سورة وآية بعد آية ولفظا بعد لفظ ، بتفاصيلها الكاملة فأراد أن يقتدي بهولاء المفسرين العظام ويؤلف تفسيرا يطبق فيه نظرية النظم تطبيقا تفصيليا شاملا من حيث المباني والمعاني ومن حيث المعارف اللغوية والعقلية والذوقية ، الكلية منها والجزئية ، والتى اعتمد عليها فى الكشف عن تفاصيل المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز. وتتكشف دقائق خصائص الأسلوب القرآني التى خالفت خصائص التعبير العربي البليغ قبله والتي حيّرت البلغاء وأخرست الفصحاء ليحق عليهم التحدي المعجز إلى يوم القيامة. ” (7)

    فقد أخذت مسألة النظم من الإمام النورسي كل مأخذ ، فذهب يعمق الحديث فيه لأنه يرى أن إعجاز القرآن الكريم مكنون فى بلاغته وموجود فى حسن نظمه ، وقد صّرح مرارا وتكرارا فى كتاباته بأن النظم هو أساس الإعجاز ، كما أشار فى ثنايا هذا التفسير أيضا إلى هذا الوجه البارز من وجوه الإعجاز أكثر من مرة ، فهو يقول :  ” إن مقصدنا من هذه الإشارات تفسير جملة من رموز نظم القرآن ، لأن الإعجاز يتجلّى من نظمه ، وما الإعجاز الزاهر إلا نقش النظم. ” (8) وقوله فى مكان آخر : ” إعلم أن أساس إعجاز القرآن الكريم فى بلاغة نظمه (9) ” ويشير إلى نفس الشيئ بهذه الكلمات : ” وأدق وجوه إعجاز القرآن الكريم ما فى بلاغة نظمه. ” (10)

    وأما منهجه فى تفسير القرآن الكريم وبيان نظمه فهو يبدأ بمقدمة وقد تليها مقدمة ثانية أو أخرى يجعلها مدخلا لتفسير آية أو مجموعة آيات ، ويتركها أحيانا ، ثم يبين بعد التفسير نظم الآية مع ما قبلها وما بعدها من الآيات ، ثم نظم الجمل فى الآية ، ثم نظم الكلمات والحروف فى الجملة ، وعلى هذا النحو أنه يحلل الآية لغويا ونحويا وبلاغيا ويستمد من الأبيات العربية والأحاديث النبوية والآيات المماثلة الأخرى توضيحا لمعناها وتأييدالرأيه.

    كان الإمام النورسى يود أن يكون هذا الجزء من التفسير وقفا على توضيح الإعجاز النظمي من وجوه إعجاز القرآن وأن تكون الأجزاء الأخرى منه وقفا على بيان سائر أوجه الإعجاز ، ولكن من المؤسف جدّا أنه وقف عند هذا المجلد من التفسير ودفعته ظروف عصره ومصره إلى مواجهة التحديات العصرية والقضايا المعاصرة ومقاومة الحضارة الغربية المادية ، لأن ما أثاره الأعداء فى ذلك الزمن لم يكن متصلا بالطعن فى بلاغة القرآن أو مناقشة ما يتعلق بإعجازه أو بتناسب سوره وآيه وكلماته ، وإنما كان يركز على شن هجوم شامل على أصول الإيمان وحكمة التشريعات ومحاولة تفكيك النظام الأخلاقى الذي جاء به القرآن الكريم.(11)

    لاشك فى أن الإمام سعيد النورسي قد أوضح من خلال هذا الجزء منهجه فى التفسير وأثبت إعجاز القرآن من ناحية النظم بين الآي والسور. ولو أكمل الإمام هذا العمل حسب خطته لكان تفسيرا بديعا جامعا للقرآن المعجز البيان.

    وأما أسلوب الإمام النورسى فى هذا التفسير فهو يتسم بالإيجاز والاختصار، كما يتضح من إسمه أيضا ، ولها أسباب عديدة ، فقد اقتضت ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمان أن يكتب هذا التفسير في غاية الإيجاز والاختصار، كما أن ذلك الزمان لم يكن يسمح بالإيضاح، نظرا إلى أن سعيد القديم ( أي سعيد قبل الحرب العالمية الأولى ) كان يعبر بعبارات موجزة وقصيرة عن مرامه ، وفضلا عن ذلك كان الإمام النورسي يضع درجة أفهام طلبته الأذكياء جدا موضع اعتبار ولم يكن يفكر فى فهم الآخرين ، وكذلك إذ أنه كان يبين فى تفسيره هذا أدق وارفع ما فى نظم القرآن من الإيجاز المعجز ، جاءت العبارات قصيرة ورفيعة. (12)

    ومن الملاحظ هنا أن الإمام النورسي قبل الشروع فى التفسير قدّم تعريفا بليغا موجزا مؤثرا للقرآن الكريم بعنوان ” لمعة من تعريف القرآن ” ومن خلالها أنه أوضح مكانة هذه الرسالة الإلهية وماهيتها وغايتها لا للمسلمين فقط بل للإنسانية جمعاء.

    وفيما يلي نقدم أمثلة ونماذج من هذا التفسير حيث يوضح المؤلف رحمه الله مطالب الآيات ويبين الوحدة الموضوعية المتواجدة بين مختلف الآيات ويبرز الربط والنظم الموجود بين الآيات والكلمات القرآنية المختلفة ، لكي يتضح أمامنا منهجه فى التفسير ، ففي بداية الكلام تحدث الإمام النورسى عن مقاصد القرآن الأساسية ، فيقول : ” إن المقاصد الأساسية من القرآن وعناصره الأصلية أربعة : التوحيد والنبوة والحشر والعدالة.” ثم استطرد قائلا : ” إن قلت أرني هذه المقاصد الأربعة فى ” بسم الله ” وفى ” الحمدالله ” ، قلت : لما أنزل ” بسم الله ” لتعليم العباد كان ” قُل ” مقدرا فيه وهو الأم فى تقدير الأقوال القرآنية ، فعلى هذا يكون فى ” قل ” إشارة إلى الرسالة …. وفى ” بسم الله ” رمز إلى الألوهية …. وفى تقديم الباء تلويح إلى التوحيد ….. وفى ” الرحمن ” تلميح إلى نظام العدالة والإحسان …. وفى ” الرحيم” إيماء إلى الحشر (13)

    ثم يوضح النظم بين ” الله ” و ” الرحمن الرحيم ” قائلا : إن الله لفظة الجلال جامعة لجميع الصفات الكمالية ، فهذا يستدعي اتصافه تعالى بالجلال والجمال ، فانهما أصلان تسلسل منهما فروع كالأمر والنهي والثواب والعذاب والترغيب والترهيب ، … وإذا كان لفظ الجلال يتجلى منه الجلال فالرحمن الرحيم يتراءى منهما الجمال ، فذكرهما استكمال للفضل الإلهي. (14)

    ثم يلتفت الإمام النورسي إلى تفسير سورة الفاتحة ويقول فى هذا السياق:

    وكذلك فى ” الحمد لله ” إشارة إلى الألوهية ….. وفى لام الاختصاص رمز إلى التوحيد … وفي ” رب العالمين ” إيماء إلى العدالة والنبوة ايضا ، لأن بالرسل تربية البشر …. وفي ” مالك يوم ” تصريح بالحشر. (15)

    وضمن تفسير سورة الفاتحة يوضح النظم فى ” الرحمن الرحيم ” ويقول : إنهما إشارتان إلى أساسي التربية ، إذ ” الرحمن ” لكونه بمعنى الرزاق يلائم جلب المنافع ، و ” الرحيم ” لكونه بمعنى الغفار يناسب دفع المضار وهما الأساسان للتربية. (16)

    ثم يبين نظم ” مالك يوم الدين ” مع الآية السابقة أي ” الرحمن الرحيم ” قائلا : ” إنه كالنتيجة لسابقه ، إذ الرحمة من أدلة القيامة والسعادة الأبدية ، لأن الرحمة إنما تكون رحمة والنعمة نعمة إذا جاءت القيامة وحصلت السعادة الأبدية “. (17)

    وعند تفسير الآية ” أياك نعبد وإياك تستعين ” يقول صاحب هذا التفسير إن تقديم ” إياك ” للإخلاص الذي هو روح العبادة وأن فى خطاب الكاف رمزا إلى علة العبادة لأن من اتصف بتلك الأوصاف الداعية إلى الخطاب استحق العبادة ، ….. وأضاف قائلا : إن ” إياك ” يتضمن الامتثال بهذا الحديث النبوي ” أعبد ربك كأنك تراه ” (18)

    ثم يبرز نظم الآية ” إياك نعبد وإياك نستعين ” ويقول : إعلم أن نظم ” نستعين ” مع ” نعبد ” كنظم الأجرة مع الخدمة ، لأن العبادة حق الله على العبد والإعانة إحسانه تعالى لعبده ، وفى حصر ” إياك ” إشارة إلى أن بهذا النسبة الشريفة التي هي العبادة والخدمة له تعالى يترفع العبد عن التذلل للأسباب والوسائط ، بل تصير الوسائط خادمة له وهو لا يعرف إلا واحدا ، ….. ومن لم يكن خادما له تعالى بحق يصير خادما للأسباب ومتذللا للوسائط. ” (19)

    وفى بداية تفسير السورة الأولى من الزهراوين ( سورة البقرة ) تناول الإمام النورسي قضية التكرار فى القرآن الكريم كالبسملة و ” فبأي آلاء ” و ” ويل يومئذ ” وقصة موسى وأمثالها وأوضح الجهات البلاغية التي تتحصل من هذا التكرار، وشبهه بغذاء الإنسان وضياء الشمس الذي لا يمل به الإنسان ، كما أنه تحدث عن حروف المقطعات وبيّن جهات متنوعة واغراض مختلفة لاستعمالها.

    وعلى هذا النحو أنه قدّم بحثا دسما قيما شافيا على كون القرآن الكريم معجزة تحت تفسير الآية ” وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فآتوا بسورة من مثله. ويقول فى صدد هذا البحث :

    ” واعظم المعجزات هو القرآن ، وادق وجوه إعجازالقرآن ما في بلاغة نظمه ، ثم أنه اتفق الإسلام على أن القرآن معجز ، إلا أن المحققين اختلفوا في طرق الإعجاز ، لكن لا تزاحم بين تلك الطرق ، بل كل اختار جهة من جهاته ، فعند بعض إعجازه : إخباره بالغيوب ، وعند بعض : جمعه للحقائق والعلوم وعند بعض : سلامته من التخالف والتناقض ، وعند بعض : غرابة أسلوبه وبديعته في مقاطع ومبادئ الآيات والسور ، وعند بعض : ظهوره من أمي لم يقرأ ولم يكتب ، وعند بعض : بلوغ بلاغته نظمه إلى درجة خارجة عن طوق البشر ، وكذا وكذا. ” (20)

    كما أنه جاء بحديث قيم لطيف ضمن تفسير الآية ” وعلم آدم الأسماء ” ولا اعرف مفسرا أتى بحديث مثله قبل الإمام النورسى وذلك أن الإبداعات والمستجدات العلمية والتطورات التكنولوجية الحديثة كلها مستنبطة ومستفادة من تلك الآيات التي ذكرت فيها المعجزات ، فيقول الإمام النورسى فى هذا الصدد:

    ” إن التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه كذلك يعلمك بإشاراته ورموزه ، إنى لأفهم من إشارات أستاذية إعجاز القرآن الكريم فى قصص الأنبياء ومعجزاتهم التشويق والتشجيع للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها ، كأن القرآن بتلك القصص يضع إصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر نتائج نهايات مساعي البشر للترقي فى الإستقبال الذى يبنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل. وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا له : اسع واجتهد فى الوسائل التى توصلك إلى بعض تلك الخوارق ! أفلا ترى أن الساعة والسفينة أول ما أهدتهما للبشر يد المعجزة ” (21)

    وهكذا أنه أصبح من رواد التفسير العلمي للقرآن الكريم وقيل عن تفسيره : ” إنه تفسير بديع وخارق للعادة “. (22)واعترف الشيخ صدرالدين البديسى أيضا بهذا الجانب من هذا التفسير فى الكلمات التالية:

    ” إنه فريد فى بابه لم ينسج للآن على منواله أي تفسير ، لأنه يستجلى ويكشف الإعجاز المكنون فى نظم الكتاب المجيد بطريقة عجيبة مخترعة لم نرها ولم نصادفها فيما عثرنا عليه من مشهور التفاسير المتداولة كتفسير أبى السعود والفخر الرازي والبيضاوي وتفسير الأستاذ المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري الذى أفاض وأسهب فيه وبين كثيرا من العلوم المختلفة التى تشير إليها الآيات الكونية. ” (23)

    والجدير بالذكر أن صاحب هذا التفسير يفرض السؤال بقوله ” إن قلت ” ثم يرد على هذا التساؤلات والتعقيدات بكلمته ” قيل لك ” أو قلت ” .

    فعلى هذا المنوال أنه يفسر ويوضح النظم بين الآيات تارة وبين الجمل والكلمات تارة أخرى ، والأن اكتفي بهذا القدر من النماذج ، وبها يتضح أمامنا منهج تفسيره وطريقة تطبيقه النظم فى الآيات القرآنية ، فلاشك في أن تفسيره ” إشارات الإعجاز ” تفسير قيم فى إثبات وجه النظم من الإعجاز ومملوء بالأسرار واللطائف والحكم القرآنية . وفى هذا التفسير قد يذكر الإمام النورسي الأبيات العربية للاستدلال على معاني المفردات القرآنية ومفاهيمها ويأتي بالأحاديث النبوية لشرح مقاصد الشريعة وأحكامها وينتهج منهج تفسير القرآن بالقرآن. ويبين بعبارات موجزة المطالب القرآنية والنكات البلاغية كلمة كلمة وآية آية وفق أسس البلاغة وقواعد العلوم العربية ، وهذه كلها بنية خالصة وإخلاص كامل، كما يقول الشيخ البديسى فى هذا الصدد:

    ” إن فى عباراته عذوبة وحلاوة وطلاوة بديعة وتدقيقا خارقا جدا فى تحليل آي الوحي المنزل، إنه بين جهة مناسبة الآيات بعضها ببعض، وتناسب الجمل وتناسقها وكيفية تجاوب هيآت الجمل وحروفها حول المعنى المراد معتمدا فى ذلك على ادق قواعد علم البلاغة وعلى اصول النحو والصرف وقوانين المنطق ودساتير علم أصول الدين وسائر ماله علاقة بذلك من مختلف العلوم.” (24)

    ومن الأهمية بالمكان أن نذكر فى نهاية المطاف أن الإمام النورسى وإن انتقل من كتابة التفسير إلى أعمال جليلة أخرى وألف كتبا ورسائل مختلفة ، ولكن القرآن وتفسيره ومخاطبة المسلمين بآياته لم يبارح قط فكر النورسى ومخيلته إلى آخر لحظة من لحظات حياته ، فرسائله كلها تستمد وتستوحي من القرآن الكريم وتستنير من لمعاته ،وبهذا السبب يقال إن ” رسائل النور” تفسير معنوي للقرآن الحكيم ، غير أنها ليست حسب المنهج المتداول للتفسير ، أما ” إشارات الإعجاز ” فهي تشبه التفاسير المتداولة باللغة العربية. والإمام النورسى بنفسه صرّح بأنه فى جميع مؤلفاته ورسائله لا يعتمد إلّا على القرآن فقط دون الرجوع إلى المصادر الأخرى ، كما هو يقول:

    ” إن رسائل النور ليست كالمؤلفات الآخرى التى تستقي معلوماتها من مصادر منحدرة من العلوم والفنون ، …. فلا مصدر لها سوى القرآن ، ولا أستاذا لها إلّا القرآن ، ولا ترجع إلّا إلى القرآن ، …… فهي ملهمة مباشرة من فيض القرآن وتنزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة. ” (25)

    وبهذا السبب كان الإمام النورسى يود أن يقوم أحد من طلاب النور ويدون تفسيرا على منهجه فى ضوء تفسيره ورسائله ومرة أعرب عن هذه الأمنية قائلا :

    ” لعل الله يبعث هيئة سعيدة من المنورين تجعل من هذا الجزء ( إشارات الإعجاز ) ومن الكلمات والمكتوبات الست والستين بل المأة والثلاثين من أجزاء رسائل النور مصدرا وتكتب فى ضوئه تفسيرا من هذا القبيل. ” (26)

    فخلاصة القول أن الإمام النورسى خدم القرآن الكريم خدمة لا مثيل له فى هذا الزمان ، وأما تفسيره ” إشارات الإعجاز ” فأنه يدل دلالة واضحة على ولوعه البالغ بالقرآن الكريم ونبوغه فى علوم اللغة والبلاغة ، فحقا كان رائدا لحركة الرجوع إلى القرآن الكريم وداعيا إلى التمسك بالكتاب والسنة في تركيا الحديثة.

    المصادر والمراجع

    (1)

    جوانب من حياة بديع الزمان،ص ،مقال متوفر على الانترنت (

    WWW.Nursistudies.com

    )

    (2)

    سيرة ذاتية مختصرة لبديع الزمان سعيد النورسي،ترجمة واعداد:احسان قاسم الصالحي،ص 20-21

    (3)

    إشارات الإعجاز فى مظان الإيجاز،للشيخ بديع الزمان سعيد النورسى،تحقيق احسان قاسم الصالحي،ص 247

    (4)

    المصدر السابق ، ص 10

    (5)

    المصدر السابق ، ص 21

    (6)

    المصدر السابق ، ص 22

    (7)

    المصدر السابق ، ص 8

    (8)

    المصدر السابق ، ص 24

    (9)

    المصدر السابق ، ص 114

    (10)المصدر السابق ، ص 180

    (11) المصدر السابق ، مقدمة الدكتور محسن عبد الحميد ( أستاذالتفسيروالفكر الإسلامي، جامعة بغداد ) ص 9

    (12) المصدر السابق ، مقدمة الترجمة التركية ، ص 18

    (13) المصدر السابق ، ص 25

    (14) المصدر السابق ، ص  26

    (15) المصدر السابق ، ص 25

    (16) المصدر السابق ، ص 29

    (17) المصدر السابق ، ص 30

    (18) المصدر السابق ، ص 31

    (19) المصدر السابق ، ص 32

    (20) المصدر السابق ، ص 180

    (21) المصدر السابق ، ص 239

    (22) المصدر السابق ، ص 244

    (23) المصدر السابق ، ص 246

    (24) المصدر السابق ، ص 247

    (25) ضوابط التدبر القرآني فى ضوء رسائل النور، إعداد – الدكتور يوسف حمداوي ، مقال موجود على الأنترنت

    (26) إشارات الإعجاز ، مقدمة الترجمة التركية ، ص 19