Category: الأعلام،

  • أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي أكبر جراحي زمانه المتوفي سنة ٤٠٣ ه

    أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي أكبر جراحي زمانه المتوفي سنة ٤٠٣ ه

    عنوان المكتوب:  أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي أكبر جراحي زمانه المتوفي سنة ٤٠٣ ه

    بقلم: بد اللطيف البدري

    المصدر: مجلة العربي

    رقم العدد: ١٦٧

    تاريخ الإصدار: ١  أكتوبر ١٩٧٢

    نوع الملف: PDF

    حجم الملف:  ٧٧١ كي بي

    قسم: الأدب العربي

    الصفحات: ١.٨ م،بي

    قم بتحميل الملف لقراءة محتوى الموضوع  التحميل هنا

    فيما يلي الموضوعات الرئيسية التي تناولتها الدراسة بصيغة PDF

    إسهام العرب في الطبمن العرب الجراحين أبو القاسم الزهراوي كتاب التصريفوصايا الزهراوي للحراحينأمور استقلّ بها الزهراويفي جراحة العيون في طبابة الأسنانمساهمات الزهراوي في غير الطبكتب الزهراوي بين أيدي أطباء أوربا في القرون الماضية كتاب التصريف وأين يوجد اليوم

    نبذة عن الكاتب رحمه الله

    الدكتور عبد اللطيف عبد الوهاب حسن البدري كان جراحًا عراقيًا بارزًا وباحثًا، ولد في سنة١٩٢١ نيسان ٢١ ، وتُوفِّيَ سنة ٢٠١٣ حزيران  ٢٢  ، وشغل منصب وزير الصحة في العراق في الفترة من 1965 إلى 1966. قاد الدكتور المرعي إجراءات جراحية مبتكرة في العراق، بما في ذلك أول عملية جراحية لعلاج قرحة المعدة عبر قص العصب التائه. ساهم بشكل كبير في البحث الطبي والأكاديميات الدولية، وسهم في تطوير التعليم الطبي في العراق. قيادته تركت أثراً دائماً في مجال الجراحة في المنطقة.

    نبذة عن أبو القاسم الزهراوي

    أبو القاسم خلف بن العباس الزهراوي الأنصاري (936-1013م)، المعروف بالزهراوي، كان طبيبًا وجراحًا وكيميائيًا من الأندلس. يُعتبر واحدًا من أعظم الجراحين في العصور الوسطى. العمل الرئيسي للزهراوي هو “كتاب التصريف”، موسوعة في ثلاثين مجلدًا عن الممارسات الطبية. تم ترجمة فصل الجراحة من هذا العمل إلى اللاتينية، حاز على شهرة وأصبح كتابًا معياريًا في أوروبا لخمسمائة عام. إسهامات الزهراوي الرائدة في مجال الإجراءات والأدوات الجراحية كان لها تأثير هائل في الشرق والغرب حتى العصر الحديث، حيث يستمر تطبيق بعض اكتشافاته في الطب إلى يومنا هذا. قاد رائدًا استخدام “الكتقة” للغرز الداخلية، ومعداته الجراحية ما زالت تُستخدم اليوم لعلاج الأفراد. كان أول طبيب يحدد الطابع الوراثي للهيموفيليا ويصف الحمل البطني، وهو نوع من الحمل خارج الرحم كان في تلك الأيام مصدرًا فتاكًا وكان أول من اكتشف سبب الشلل. وقد طوّر أيضًا أجهزة جراحية لعمليات القيصرية وجراحات الساد.

    سيرة شخصية عن الزهراوي

    ولد الزهراوي في مدينة الزهراء، على بُعد 8 كيلومترات إلى الشمال الغربي من قرطبة في الأندلس. ورغم عدم تحديد تاريخ ولادته بدقة، إلا أن العلماء يتفقون على أنها كانت بعد عام 936، السنة التي تأسست فيها مدينته الأصلية الزهراء. يشير النسبة (اللقب النسبي) “الأنصاري” في اسمه إلى أصله من قبيلة الأنصار في المدينة، متتبعًا أصوله إلى المدينة المنورة في الجزيرة العربية.

    عاش معظم حياته في قرطبة، حيث درس وعلّم ومارس الطب والجراحة حتى وقت قريب من وفاته في حوالي عام 1013، بعد عامين من نهب الزهراء.

    تفتقر التفاصيل حول حياته، باستثناء أعماله المنشورة، بسبب تدمير الزهراء خلال النزاعات الكاستيليانية-الأندلسية لاحقًا. يظهر اسمه لأول مرة في كتابات أبو محمد بن حزم (993–1064)، الذي وضعه ضمن أعظم الأطباء في إسبانيا الإسلامية. ولكن أول سيرة مفصلة للزهراوي جاءت من خلال “جذوة المقتبس” للحميدي (عن العلماء الأندلسيين)، التي أُنجِزت بعد ستة عقود من وفاة الزهراوي.

    كان الزهراوي طبيبًا في دار الحكمة للخليفة الأندلسي الحكم الثاني. وكان متزامنًا مع الكيميائيين الأندلسيين مثل ابن الوفيد والمجريطي وأرتيفيوس. كرس حياته وعبقريته لتقدم الطب بشكل عام والجراحة بشكل خاص. وكطبيب في الدار الحكومية، كان للزهراوي وصول إلى أحدث المعارف الطبية والموارد في ذلك الوقت، مما سمح له بتطوير تقنيات وأدوات جديدة للإجراءات الجراحية. عمل الزهراوي كطبيب في فترة حكم الحكم الثاني ساعد في تطوير مهاراته ومعرفته كطبيب وجراح، وساهم بشكل كبير في مجال الطب. عمله ساعد في وضع الأسس لتقنيات الجراحة الحديثة وترك أثرا دائما على ممارسة الطب.

    مهنة جراحية

    الزهراوي كان متخصصًا في علاج الأمراض بواسطة الحرق. اخترع العديد من الأجهزة المستخدمة في الجراحة، لفحص الداخلية للمجرى البولي وأيضا للتفتيش ووضع وإزالة الأجسام الغريبة من الحلق والأذن وأعضاء الجسم الأخرى. وكان أول من رسم الأنابيب المختلفة وأول من عالج ثؤلولًا باستخدام أنبوب حديدي ومعدن قلوي كأداة للحفر.

    بينما لم يقم الزهراوي بإجراء عملية جراحية للتنفس الصناعي (تراكيوتومي)، إلا أنه عالج فتاة عبدة قامت بقطع حلقها في محاولة انتحار. قام الزهراوي بخياطة الجرح وتعافت الفتاة، مثبتًا بذلك أن فتحة في الحنجرة يمكن أن تتعافى. وفي وصفه لهذه الحالة السريرية المهمة، كتب:

    “قامت فتاة عبدة بالامساك بسكين ودفنته في حلقها وقطعت جزءًا من القصبة الهوائية. ودُعيت للتدخل. وجدتها تصدح كالذبيحة التي قطعت حلقها. لذا كشفت الجرح ووجدت أن النزيف كان قليلا فقط. وتأكدت من أن شرايينًا أو وريدًا في الرقبة لم يتم قطعها، ولكن الهواء كان يمر من خلال الجرح. لذا أغلقت الجرح بسرعة وعالجته حتى شفي. لم يلحق الأذى بالفتاة العبدة إلا بعض الخشونة في الصوت، التي لم تكن شديدة، وبعد بضعة أيام عادت إلى أفضل حال.”

    كما كان الزهراوي رائدًا في جراحة الأعصاب وتشخيص الأمراض العصبية. يُعتبر أول من قام بعلاجات جراحية لإصابات الرأس، وكسور الجمجمة، وإصابات العمود الفقري، وارتفاع ضغط الدم داخل الرأس، وتجمعات السائل تحت الغشاء الدماغي، والصداع. وقد قدم الزهراوي أول وصف سريري لعملية جراحية لعلاج تجمع السائل في الدماغ في الأطفال.

    كتاب التصريف

    موسوعة الزهراوي الطبية، كتاب التصريف، المكونة من ثلاثين مجلدًا والتي اكتملت في العام 1000، تغطي مجموعة واسعة من المواضيع الطبية، بما في ذلك الجراحة، والطب، وجراحة العظام، وطب العيون، وعلم الأدوية، والتغذية، وطب الأسنان، والولادة، وعلم الأمراض. يتناول الجزء الأول في الموسوعة المبادئ العامة للطب، والجزء الثاني يتناول علم الأمراض، بينما يتناول معظم الأجزاء الباقية مواضيع تتعلق بعلم الأدوية والعقاقير. وأخر رسالة واحدة وأشهرها هي حول الجراحة. وأكد الزهراوي أنه اختار مناقشة الجراحة في الجزء الأخير لأن الجراحة هي أعلى شكل من أشكال الطب، ولا ينبغي للطبيب أن يمارسها حتى يتعلم بشكل جيد جميع فروع الطب الأخرى.

    تحتوي العمل على بيانات تراكمت خلال مسيرة امتدت لنحو 50 عامًا من التدريب والتدريس والممارسة. فيه، كتب أيضًا عن أهمية علاقة إيجابية بين الطبيب والمريض، وعبّر عن محبته لطلابه الذين أشار إليهم بأنهم “أطفاله”. شدد أيضًا على أهمية معاملة المرضى بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي. حث على مراقبة دقيقة للحالات الفردية لتحديد التشخيص الأدق وأفضل علاج ممكن.

    على الرغم من عدم إقامة الاعتراف الكامل في الأوقات الحديثة، أظهر تقييم المخطوطة[15] لكتاب التصريف للزهراوي وصفًا مبكرًا لبعض الإجراءات الطبية التي نُسبت لأطباء لاحقين.[16] على سبيل المثال، وصف كتاب التصريف للزهراوي الطريقة المعروفة لاحقًا باسم “طريقة كوشير” لعلاج الكتف المفكك و “وضع فالشر” في التوليد. علاوة على ذلك، وصف كتاب التصريف كيفية ربط الأوعية الدموية قرابة 600 عام قبل أمبرواز باري، وكانت أول كتاب مسجل يشرح الطابع الوراثي للهيموفيليا. كما كان أول كتاب يصف عملية جراحية لربط شريان الجدار الصدغي للصداع، أيضًا قرابة 600 عام قبل أن يسجل باري أنه ربط شريانه الصدغي للصداع الذي يتفق مع الوصف الحالي للصداع. الزهراوي كان، لذلك، أول من وصف إجراء جراحي للصداع يتمتع بنهضة في القرن الواحد والعشرين، بقيادة الجراح الجنوب أفريقي إليوت شفيل.

    في مجال الصيدلة والعلم الدوائي

    كان الزهراوي رائدًا في تحضير الأدوية بواسطة التبخير والتقطير. كرّس الفصل 28 من كتابه للصيدلة وتقنيات العلاج الدوائي. تم ترجمة الفصل لاحقًا إلى اللاتينية تحت عنوان “ليبر سيرفيتوريس”، حيث خدم كمصدر هام للأعشاب الأوروبية. يعتبر الكتاب ذا أهمية خاصة، حيث يقدم للقارئ وصفاتٍ ويشرح كيفية تحضير الـ “البسيطات” التي كانت تُركب منها الأدوية المعقدة المستخدمة آنذاك.

    لمس الزهراوي أيضًا موضوع التجميل وكرّس له فصلًا في موسوعته الطبية. وبترجمة الرسالة إلى اللاتينية، تم استخدام فصل التجميل في الغرب. اعتبر الزهراوي التجميل فرعًا من الطب، وأطلق عليه اسم “طب الجمال” (أدويات الزينة). يتناول فيه العطور والزيوت العطرية المعطرة والبخور. كما اخترع أعوادًا عطرة تُلف وتُضغط في قوالب خاصة، ربما تكون أقدم سلف لأحمر الشفاه ومزيلات الروائح الصلبة المستخدمة في الوقت الحالي.

    التأثير

    كان الزهراوي “أكثر سلطة جراحية مستشهد بها في العصور الوسطى”. وقد وصف دونالد كامبل، مؤرخ الطب العربي، تأثير الزهراوي على أوروبا كما يلي:

    “كان أكبر تأثير للزهراوي على النظام الطبي في أوروبا هو أن وضوحه وطريقة تقديمه أيقظت تحيزًا لصالح الأدب العربي بين علماء الغرب: أساليب الزهراوي كانت تتفوق على تلك التي كان يتبعها جالينوس وحافظت على موقع بارز في أوروبا الطبية لمدة خمسمائة عام، أي بعد أن فقدت فعاليتها. ومع ذلك، ساعد في رفع مكانة الجراحة في أوروبا المسيحية؛ حيث أشار في كتابه عن الكسور والفقدانات إلى أن ‘هذا الجزء من الجراحة قد مر إلى أيدي عقول شائعة وغير مثقفة، ولهذا السبب وقع في الاحتقار.’ أصبحت جراحة الزهراوي متأصلة بشكل قوي في أوروبا بعد عهد غي دو شولياك (ت. 1368).”

    في القرن الرابع عشر، نقل الجراح الفرنسي غي دو شولياك الطريقة الطبية للزهراوي أكثر من 200 مرة. ووصف بيترو أرجالاتا (ت. 1453) الزهراوي بأنه “بلا شك رئيس جميع الجراحين”. استمر تأثير الزهراوي لمدة خمسة قرون على الأقل، وامتد إلى عصر النهضة، حيث يظهر تكرار الإشارة إلى الطب التصريفي من قبل الجراح الفرنسي جاك داليشامب (1513–1588).

    يُكرم الزهراوي في شارع يحمل اسمه في قرطبة باسم “كايي ألبوكاسيس”. عاش في منزل رقم 6 في هذا الشارع، والذي يتم اليوم الحفاظ عليه من قبل الهيئة السياحية الإسبانية مع لوحة برونزية (ممنحة في يناير 1977) تقول: “هذا كان المنزل الذي عاش فيه الزهراوي”.

  • أسرة المخدوم ودورها في النهضة العلمية والأدبية بكيرالا

    أسرة المخدوم ودورها في النهضة العلمية والأدبية بكيرالا

    الدكتور / عبد اللطيف  الفيضي (1)

    تعتز ولاية كيرالا وخاصة ديار مليبار بعلاقتها الوثيقة باللغة العربية وآدابها منذ عهد قديم يرجع تاريخها إلى ما قبل الإسلام؛ لأن العرب كانوا يفدون إلى الهند قبل العصر المسيحي بآلاف السنين لممارسة التجارة، وفي بعثات لزيارة آثار قدم آدم عليه السلام في سرنديب (سيلان). ويشهده رأي المؤرخ الهندي الدكتور تاراشاند حيث يقول: إن عرب الجاهلية كانوا يأتون سواحل الهند وجزائرها منذ سنوات كثيرة قبل الإسلام. وكانوا ينزلون الهند من طريق البحر الأحمر والسواحل الجنوبية وكانت أهدافهم أن يأتوا فوهة بحر السند أو شاطئ مليبار، ومنها إلى كويلون، ومنها إلى سيلان والملايو. كما أن الكاتب الهندي سوامي ديانند يشير إلى أن اللغة العربية صارت مستعملة في الهند من القرن السابع قبل المسيح.وجاء أيضا في تقويم البلدان لعماد الدين أبي الفدا : إن اليهود الحميريين كانوا يتاجرون مع موانئ مليبار في سواحل الهند الغربية منذ زمن قديم، وقد هاجر عدد منهم إلى الهند واستوطنوا في مدن كرنفلور وشاليام وكوشين الواقعة في ساحل الهند الغربي، وكانت قبائل من هؤلاء اليهود العرب باقية في تلك المدن.

    فلا يشك أحد أنه كانت اللغة العربية متعارفة ولو إلى حدّ أدنى في كيرالا منذ أواخر السنوات ما قبل الميلاد، وأنها ازدهرت طبقا لازدهار العلاقات التجارية والثقافية بين كيرالا والبلاد العربية. ومع إشراق نور الإسلام في الحجاز وما جاورها قويت هذه الأواصر ووصل تعاليم الإسلام بكلّ أصالتها وموثوقيتها في هذه الديار، وانتشرت بذلك العربية وآدابها في المجتمع الإسلامي  بكيرالا.

    ولكن النهضة الحديثة في العلوم والآداب العربيةبدأت منذ وصول أسرة المخدوم إلى هذه البقعةفي القرن التاسع الهجري، وبعد ذلك توالت وفود العلماء والسادات من البلاد العربية ومن بينهم أسرة القضاة والسادات الحضرميون، وهؤلاء العباقر عملوا أساطين النهضة العلمية والأدبية والثقافية في المجتمع الإسلامي بكيرالا. والمقصود بهذه العجالة تسليط الضوء إلى جهود هؤلاء العباقر في تحريك عجلة التقدم العلمي والأدبي بين المسلمين وفي بثّ روح الوطنية والتعايش بين الأديان والقيام بالنضال والمكافحة ضدّ المستعمرين والأجانب الذي جاءوا إلي مليبار لاستغلال منافعها ونشر سمّ الكراهية والبغضاء بين الأمم المختلفة.وأخصّ منهم إلى ذكر مآثر وخدمات أسرة المخدوم في النهضة العلمية والأدبية والثقافية بكيرالا علما بأن الكلام يطول إذا ذكرنا باقي الفئات من الأسر الكريمة.

    أسرة المخدوم بفونّاني:

    أسرة المخدوم من أشهر الأسر العلمية والدينية في كيرالا، كان لها نفوذ قويّ ودور رياديّ في حياة المسلمين في مليبار، وصلت هذه الأسرة إلى منطقة فونّاني–الواقعة بساحل البحر العربي والمعروفة بعلاقتها العريقة بالعرب- في أواخر القرن التاسع الهجري. وكان مؤسّس هذه الأسرة في كيرالا هو الشيخ إبراهيم بن أحمد الذي وصل أولا من المعبر في اليمن عن طريق كيلاكرا وكايل بتنم في تامل نادو إلى كوتشن، وبعد ذلك انتقل إلى فونّاني حيث سكن فيها وشرع في نشاطاته الدعوية والإصلاحية والتربوية. وجاء الشيخ زين الدين المعروف بالمخدوم الكبير ابنالعليّ بن أحمدالذي هوابن الأخ لإبراهيم بن أحمد، مؤسس هذه الأسرة في مليبار.

    وهذه الأسرة أهدت لمليبار- عدا المخدومين الكبير والصغير – عددا من العلماء الربانيين والمصلحين البارعين الذين أسهموا في نشر التعليم الديني وفي تزكية النفوس وفي إثراء المكتبة الإسلامية العربية بتآليفهم القيمة نظما ونثرا. و من أشهرهم الشيخ عبد العزيز بن زين الدين الكبير، وعلي حسن المخدوم، و زين الدين المخدوم الأخير، والشيخ أحمد باوا المسليار المخدومي بن الشيخ المخدوم الأخير، والشيخ عبد الرحمن المخدومي.

    فونّاني منبع

    الثورة العلمية والثقافية

    منذ عهد المخدوم الأول اشتهر بلدة فوناني مركزا للعلم والإدارة حتى إنه تمّ تأسيس مسجد في كل قرية تبعا للمسجد الجامع بفوناني تحت قيادته الحكيمة، وجمع أهاليها تحت هذه المساجد بجعلها محلّة،يعني وحدة متماسكة بين الأفراد يرأسهم إمام المسجد ومدرّسه وقاضيه ويساعده الأمراء والوجهاء من تلك المحلة. وهذا النظام عمِل كمحكمة شرعيّة في حلّ النزاعات الدينية والدنيوية بين أفرادها من غير لجوء إلى المحاكم الشرعيّة الحكومية، كما أكّد هذا النظام الوحدة والأخوة بين أفراد المجتمع يقومون يدا واحدة ضدّ الطغيان والفساد والاحتلال الأجنبي، فإذا أمر قاضي القضاة بفوناني بأمر ينقاد إليه جميع القضاة في محلاتهم الخاصة ويبلّغونه إلى أفرادهم. وهذا النظام هو الذي ساعد في تبليغ رسالة تحريض أهل الإيمان ورسالة تحفة المجاهدين إلى أذهان العوام، ودفعِهم إلى ميدان القتال والنضال ضد البرتغاليين الذين ملأوا الأرض طغيانا وكفرا. فإن نظام المحلّة القائمة في ديار مليبار بين المسلمين يرجع فضله إلى ما طبّقه المخاديم قبل قرون.

    هذا، كما نعرف أن المسجدالجامع الذي بناه المخدوم الكبير صار مركزاللعلم يفدون إليه الطلاب من كل صوب،حتى إذا تمّت الدراسة وتأهّل الطالب للتدريس– وهذا الذي كانيعرف بـVilakkathirukkal- يرسله الشيخ إلى بلدة أخرى للتدريس والقضاء، فإذا احتاج أهل بلدة إلى مدرّس أو إمام أو قاض كانوا يلتجئون إلى فونّاني طلبا من المخدوم أن يرسل إليهم عالما محصّلا إلى بلدتهم. فيرسل المخدوم معهم واحدا من تلامذته الذين لهم كفائة كاملة في التدريس والإفتاء داعيا له ولهم كل الخير والبركة والصلاح. فعلى هذا انتشر التعليم وثقافة الإسلام وشاعت اللغة العربية وآدابها في جميع أنحاء كيرالا المعمورة بقيادة الأيدي الحكيمة التي يديرها المخدوم بفونّاني. وممّا يدهشنا أن هذا الانقلاب الروحي والثورة العلميةجرت في عهد لم يعمّ فيه وسائل التعليم والمواصلات كما شاعت في عالمنا المتحضّر.

    المنهج المعبري

    ومن أكبر الشواهد لتأثير أسرة المخدوم في الحياة العلمية لأهل كيرالا، حلقات الدروس التي تجري في معظم المساجد في ولاية كيرالا، ولا يوجد في كيرالا عالِم متقِن ومتبحّر في العلوم الإسلامية والعربية يشار إليه بالبنان إلا وكان من أبناء حلقات دروس المساجد. والمنهج المتّبع في دروس هذه المساجد هو المنهج المعبري الذي عرّفه الشيخ زين الدين المخدوم المعبري حين كان قاضيا ومدرسا في فوناني، وقبل هذا كان السائد هنا هو المنهج الفخري الذي رتّبه الشيخ فخر الدين رمضان الشالياتي، وجعل المخدوم الصغير فيه بعض التعديلات والإصلاحات وطبّقه في جميع المساجد حيث أدرج فيه كتب التفسير والحديث والفقه والنحو والصرف والمعاني والمنطق والتاريخ والتصوف والفلك والحساب والطب وغيرها حسب النموّ النفسي للمتعلمين كما ألّف نفسه بعض الكتب الدراسية لهذا الغرض. ويقول السيد عبد الرحمن العيدروسي في كتابه نوابع علماء مليبار : طرأ تغيّر للمناهج الفخرية فيما بعد، بعد تطبيقها في جميع المعاهد الدينية في مليبار واستمرت حوالي قرنين من الزمن، وذلك بإدراج بعض الكتب النافعة فيها كما اقترحه الشيخ زين الدين المعبري المخدوم الثاني حفيد الشيخ زين الدين المخدوم الأول.

    وكان كلاهما مشهورا داخل البلاد وخارجها بالعلم والورع والفضل والنضال. وكان لهما صلة روحية وثيقة بمسالك الصوفية الأتقياء والأولياء الأصفياء فصارا بذلك من كبار مشائخ الطريقة القادرية. ومع ذلك كان لهما مواقف محمودة في مقاومة الاستعمار البرتغالي بالسيف والقلم واللسان، وفي تحريض المسلمين وغير المسلمين لمكافحة هؤلاء المستهترين والمفسدينالذين يعيثون في الأرض فسادا.

    مجلس معونة الإسلام

    وهذا المجلس يلعب دورا فعالا منذ نشأته في نشر اللغة العربية وآدابها، كما أنه يستضيف المهتدين إلى دين الإسلام بتزويدهم جميع ما يحتاج إليه من السكن والزاد باعتناء خاص في ترسيخ مبادئ الإسلام وتعاليمه في أذهان هؤلاء المهتدين.

    وهذا المجلس أسسه الشيخ عبد الرحمن المخدومي سنة 1900م ببلدة فوناني، وتجري تحت هذا المجلس فوق ما ذكر مدرسة ثانوية عالية ودار الأيتام والمكتبة الإسلامية. ومن نشاطاته في مجال التعليم الديني العالي كلية معونة الإسلام العربية والتي أسست عام 1959م. والخريجون من هذه الكلية تعمل في حقل الدعوة الإسلامية ونشر اللغة العربية.

    الخطّ الفونّاني

    ومما يجدر الإشارة إليه أن من إسهامات المدرسة المخدومية الخط الفوناني الذي يمتاز بمزايا كثيرة من خطوط العربية المختلفة كالنسخ والرقعة والفارسي والكوفي، وهي خط عمودي وأفقي بلا اعوجاج زائد، وهو أنسب لكتابة المصاحف بالحركات مراعيا لقواعد الرسم العثماني. وجميع تراث العربية المطبوعة والمخطوطة بمليبار مرسومة بهذا الخط المعروف كما ينشر فيها المصاحف والكتب العربية في مليبار. ومن المؤسف أنه لم يجد الخط الفونّاني رواجا وشهرة بين الخطوط العربية المعروفة ولم يصل إلى آذان الخطاطين في العالم العربي.

    آثار أسرة المخدوم

    خلدت هذه الأسرة مآثر خالدة في مجال بث روح الثقافة الإسلامية ونشر اللغة العربية يتمتع بها العالم العربي عموما وأهل كيرالا خصوصا من بينها كتاب «فتح المعين بشرح قرة العين» الذي ألفه الشيخ المخدوم الصغير يعتبره العلماء دائرة وجيزة في المسائل الفقهية، ويتضح قدره عندما نعرف أن العلماء الأجلاء من بلاد العرب قاموا بتأليف كتب مستقلة بشرح كتاب «فتح المعين»، مثل «إعانة الطالبين» في أربعة أجزاء للسيد البكر الدمياطي المصري ومثل «ترشيح المستفيدين بتوشيح فتح المعين»، للسيد أحمد السقاف ومثل «إعانة المستعين على فتح المعين» للعلامة علي با صبرين.

    ولا يخفى على أحد مكانة الكتابين الجليلين: أولهما «تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان» للشيخ زين الدين المخدوم الكبير، هي قصيدة جهادية خالدة وجّهت إلى الأمة المحمدية للقيام بواجبهم ضد الاستغلال الأجنبي. وثانيهما «تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين»، للشيخ زين الدين المخدوم الصغير الذي هو أول كتاب موجود عن تاريخ كيرالا في القرن الخامس والسادس عشر الميلادي، وهو المرجع الأساسي يخبر عن دفاع المسلمين ونضالهم ضدّ البرتغاليين والمستعمرين بكل ما يملك من عدّة وعتاد.

    إضافة إلى هذين المخدومين الجليلين جاء من الأسرة المخدومية كثير من العلماء العباقر لهم نبوغ وملكة في جميع العلوم والفنون ولهم تأليفات عديدة ولكن لم يطبع كثير منها إما بالتلف أو بالتساهل.وأقتصر هنا بذكر آثار خمسة علماء أجلاء فقط من هذه العائلة الشهيرة:

    1)   الشيخ عبد العزيز بن زين الدين الكبير (994 هـ)

    هو ابن الشيخ المخدوم الكبير وعمّ المخدوم الصغير كان مدرسا وقاضيا في فونّاني بعد وفاة والده. ومن كتبه المعروفة:كتاب المتفرد، وباب معرفة الصغرى والكبرى، وأركان الصلاة، ومرقات القلوب، ومسلك الأتقياء شرح هداية الأذكياء، وتعليقات على ألفية ابن مالك ( من باب الإضافة إلى آخره).

    2)   علي حسن المخدوم (1297 هـ)

    وكان عالما فقيها شاعرا وله قدم راسخ في جميع العلوم والفنون ومن آثاره : ديوان الأشعار، والقصيدة في حكم الشطرنجية، وكتاب في العروض والقوافي، وكتاب في علم الفرائض.

    3)   زين الدين المخدوم الأخير(1305 هـ)

    كان عالما تقيّا من أسرة المخدوم، وكان له قدم راسخ في علم النحو وعارفا باللغات الأخرى ومؤرخا شهيرا حتّى كان يلقّب عند معاصريه بابن خليكان، وأكب على التدريس وخدمة العلم طول حياته ودرس خمس سنوات في الحرم الشريف، وبعدما رجع إلى بلده فونّاني قضى نحو أربعين سنة قاضيا ومدرسا ومرشدا، وكان شيخ الطريقة القادرية والنقشبندية والجشتية. ومن آثاره الخالدة تلامذته الكبار من العلماء الأجلاء الذين لهم دور بارز في نشر العلوم واللغة في ربوع كيرالا كما لهم نفوذ واسع بين المجتمع بأعمالهم الجهادية والدعوية، مثل كوتيامو مسليار البلنكوتي، وميدو مسليار الشجاعي، والشيخ كنهي أحمد مسليار المدفون بفوتانفلي، والشيخ عيني كوتي مسليار المدفون بمقبرة نمنانكاد، وعلى مسليار نليكوت قائد ثورة مابلا وآل مسليار كتلاشيري.

    قلما نجد في تاريخ كيرالا علماء ربانيين مثله اهتمّ بتربية علماء أصفياء اختاروا الصفوة والخلوة، وعلماء أشدّاء اختاروا الجهاد والكفاح ضدّ الطغيان والفساد. ومن بعض أعماله: حاشية على قصيدة السؤال والجواب، ونصر العليم، ومولد في مناقب السيدة نفيسة المصرية والسيدة فاطمة الزهراء.

    4)   الشيخ أحمد بافا المسليار المخدومي ابن الشيخ المخدوم الأخير (1314هـ)

    وله أيضا مؤلفات عديدة، منها: تحفة الواعظين، وتبشير الواعظين، وتحذير الإخوان من مكائد النسوان، و مغانم الإخوان في تفسير الأدوية للحيوان، ومعدن السرور في تفسير سورة الطور.

    5)   الشيخ عبد الرحمن المخدومي (1341 هـ)

    وهو الذي قام بدوره في تأسيس مجلس معونة الإسلام بفوناني، وكان له مكانة رفيعة عند الحكومة البريطانية الحاكمة في هذه الديار، وعمل في منصب قاضي القضاة في فونّاني نحو أربعين سنة. وكان له إلمام واسع ونبوغ عميق في مسائل الدين وأحكامه ولذا كان يدعى هيتميّ زمانه ورمليّ أوانه. ومن مؤلفاته: كتاب في ترجمة القصيدة الوترية، وكتاب علاج الأطفال.

    وهذه هي بعض مآثر أسرة المخدوم بفوناني يطول الكلام بذكر جميع أعيان هذه الأسرة وآثارهم وتأثيرهم في مجال النهضة العلمية والثقافية بكيرالا. وعلى الاختصار، فإن النهضة الحديثة لمسلمي كيرالا في مجال التعليم والتربية ونشر اللغة العربية وثقافتها وآدابها تقوم على ساق أسلاف هذه الأسرة العريقة الذين هم أساطين الثورة العلمية وروّادها في هذه البقعة، كما أن العلماء والثوار الذين لهم دور قيادي في تحرير هذه المنطقة من براثن الإحتلال والاستعمار، هم من أبناء هذه المدرسة المخدومية. ومن المضحك وكذا من المؤسف أيضا، ادّعاء من لا خَلاق لهم في الدين والدنيا أن زمام النهضة العلمية والأدبية في كيرالا، هو في أيدي أولئك الذين قاموا بتفريق المسلمين الأصفياء في هذه البقعة وتشتيتهم بافتراء الشرك والكفر عليهم من غير بيّنة ولا برهان ونشروا لهذا الغرض قراطيس يبدونها ويخفون منها كثيرا.

    المراجع:

    ·      الدعوة الإسلامية وتطورها في شبه القارة الهندية، د/محيي الدين الألوائي، دار القلم دمشق 1986م.

    ·      من نوابع علماء مليبار – السيد عبد الرحمن العيدروس الأزهري، طبعة خاصة،1993م

    ·      البسيط في الإملاء والخطوط- عبد الله مولوي كاكاد، دار الدراسة للنشر،كاكاد 2005م.

    ·      تحفة المجاهدين لزين الدين المخدوم، تحقيق وتعليق حمزة جيلاكودن، مكتبة الهدى كاليكوت.1996م.

    ·      المسلمون في كيرالا- عبد الغفور عبد الله القاسمي، مكتبة أكمل،ملابرم، 2000م.

    ·      عظماء مليالم ( بلغة مليالم )، محمد علي المسليار النلكتي، كاليكوت، مكتبة الإرشاد 1997م.

    ·      تاريخ الأبرار – الشيخ محمد الفيضي بن البخاري المليباري، لجنة أنوار الطلبة، بالكاد 1995م.

    ·      إسهامات الهند للأدب العربي، أوراق ندوة وطنية، قسم العربية، جامعة كاليكوت 2011م.

    [1])

    أستاذ اللغة العربية بكلية تذكار تونجان الحكومية، ترور.

  • الموسيقي عند ملوك الأتراك والأفاغنة في الهند (PDF)

    الموسيقي عند ملوك الأتراك والأفاغنة في الهند (PDF)

    التحميل

    المباحث المهمة

    ·      ركن الدين فيروز 1232

    ·      بهاء الدين البلبن

    ·      كيقباد 89-1287

    ·      جلال الدين الخلجي 96-1290

    ·      علاء الدين الخلجي 1296م/

    ·      قطب الدين مبارك الخلجي 1330-1316

    ·      غياث الدين تغلق

    الملوك المغول

    ·      أكبر

    ·      جهانجير (جهانكير)

    ·      شاه جهان

    ·      أورنج زيب عالمجير (أورنكزيب عالمكير)

  • قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم : تحفة هندية رائعة في المديح النبوي

    قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم : تحفة هندية رائعة في المديح النبوي

    د: ن/ أ، محمد عبد القادر

    التوطئة :

    __________________________

    الراوابط المتعلقة

    ·       شيخ الإسلام الإمام شاه ولي الله الدهلوي أشعريا، صوفيا، مذهبيا   ، كاتبا د. عبد النصير المليباري الشافعي الأشعري

    ·      قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم : تحفة هندية رائعة في المديح النبوي

    ·      شاه ولي الله الدهلوي نابغة الدهر وعبقري الزمان

    ·   الإمام شاه ولي الله الدهلوي باعث السنة في الهند

    ·      الشاه ولي الله الدهلوي: قطب الحديث النبوي في الهند

    ·      علم الحديث الشـريف في شـبه القارة الهندية

    ” أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم” للإمام شاه ولي الله الدهلوي

    إعداد:

    محمود شمّاس الوافي ابن حيدر علي الفيضي الكُتِّبُّرَمِيِّ

    والذي تعرضت له  المواقع السلفية – (حيث تجرء  بيان تراجم أعلام اسلامية  من العلماء القدامي خاصة ممن لا ينساهم التاريخ بعطاياهم الميمونة العملاقة وعند تعريف مناهجهم لا سيما العقيدة والمذهب الفقهي تستتر الحقائق من جعل كلا منهم – أو يوهمون القارء –  أصحابَ اللامذهبية والحاقيدن على فعاليات تراثية كأنهم لم يأخذوا من المذاهب الأربعة شيئا أو لم يعتمدوا عليه البت ولم ينتموا إلى مذهبين – الماتريدية والأشعرية- ) ليس بصحيح بل ليس له من  ذرة الحق نصيب ، فمن المجروحين بذلك الشيخ شيخ الإسلام شاه ولي الله الدهلوي الحنفي الماتريدي

    يُعدُّ الإمام شاه ولي الله الدهلوي أبرز أعلام الهنود  الذين لعبوا  دورا مهما ذهبيا  وقياديا في مختلف المجال الإنسانية والعلمية كتأليف الكتب في فنون إسلامية كالفقه والنحو والحديث والتفسير وغير ذلك والإصلاحِ القومي مستأصلي البدع والانحرافات وأرفعهم شأناً وأبعدهم صيتاً، وبلغ الإمام شأواً عالياً عندهم، وأقبلوا على قراءة مصنفاته وتدارسها وتعليمها، حتى يوجد له نظير  لا فيمن عاصروه فحسب، بل في من أتى قبل وبعد، فلا يبعد إذا قلنا إن الإمام كان من رواد الأدب العربي في الهند، وأن له يد طولى في قرض الشعر والقصائد،  رغم أنه لم  يشتهر في الأدب العربي كما اشتهر في العلوم الإسلامية  لأن العلوم الإسلامية  احتلت شوطا كبيرة من معظم  مكاتبه

    ومما يُبدي مواهبه الأدبية ديوانُه العربي الذي جمعه ابنه الشيخ عبد العزيز ورتبه ابنه رفيع الدين، يوجد فيه  هذه القصيدة البائية التي تعتبر واحدة من أروع المدائح النبوية  للشعراء الهنود ، وقد شرحها بنفسه تحت عنوان ” أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم”

    إن لهذه القصيدة الأنيقة أهمية تاريخية كبرى حيث كتبها الإمام في عصر يُعبتر عصر  التدهور والانهيار والانخفاض من ناحية السياسية واضطراب الخلقي والخُلقي على الأمة  الإسلامية الهندية ولاقت الدولة الإسلامية  أوج الانشجاب والاندراس طبقا لأسباب لا يليق الذكر هنا ووجد الاستعمار  البريطاني ثغرا واسعَ المدى وثلمةً مديدا في الروح الهندي لتوطيد أقدامها  في ربوعها  أكثر ما كان من قبل .

    أما جانبها (القصيدة) الأدبي فمن مساهمات مرموقة للشعر الأدبي العربي الهندي الذي بيضه الأيادي الهندية فالقصيدة تحتوي كل من إثارة العواطف، والشمائل النبوي الكريمة ، وأخلاقه وذكر بعض معجزاته ووصف الأوضاع الاجتماعية والدينية إبان بعثته وبث الشكوى إلى النبي صلعم عما يعانيه من الهموم والأحرزان والاستشفاع به والاعتصام للتخليص من جميع التحديات والمشكلات، قد بالغ الإمام في التوكإِ على القرآن والسنة  وكتب السيرة النبوية،

    وليس عندنا أقوى أدلة تسفر عن عقيدة الإمام الدهلوي مما قال الدهلوي نفسه طوال القصيدة وعن غير توهّبه أيضا كما صوره العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله  متأثرا بدعوة محمد بن عبد الوهاب ، حين يقول في ترجمة حياة الإمام شاه ولي الله الدهلوي  خلال بيان أوضاع العالم الإسلامي ” ويزيِّنون الناس التماسَ الشفاعة من دفناء القبور ( رجال الفكر والدعوة الجزء الرابع ص 415)  حتى نرى أن الامام قد تكاثر  في التوسل مستغيثا به وفي الشكوى إلى الحضرة النبوية الشريفة ولاستشفاع له . فماذا يقول الندويُّ إذا سأله الشاه ولي الله الدهلوي-  رحمهما الله – يوم الواقعة أما رأيتَ قولي

    وأنت شفيع يوم لاذو شفاعة                                بمغن كما أثنى سواد بن قارب

    وأنت مجيري من هجوم بملة                          إذا أنشبت في القلب شر المخالب

    وأنت صرفت أوقاتك لإعداد ترجمتي وقرأت جميع مؤلفاتي فلما كنت أنت مخطِءا  في حقي أنا بما تصديتَ  لمزاعم ما وافقته أبدا، ولماذا – أيها الندوي- جلبتَ أيضا مخالف التوسل والاستغاثة بالأولياء وازدريت بهما والذي أخالفه البت حيث قلت ” وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشائخ إنما كان تقليدا ناجحا لأعمال والتقاليد التي كانت تُنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقديسين عندهم، فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم (المرجع السابق ص 508) فبماذا تنبس بقول عما قلتُ في الدنيا

    إذا ما أتتني أزمة مدلهمة                                                  تحيط بنفسي من جميع جوانب

    تطلبت هل من ناصر أو مساعد                           ألوذ به من خوف سوء العواقب

    فلست أرى إلا الحبيب محمداً                                  رسول إله الخلق جم المناقب

    وصلى عليك اللّه يا خير خلقه                               ويا خير مأمول ويا خير واهب

    ويا خير من يرجى لكشف رزية                               ومن جوده قد فاق جود السحائب

    أليس فيها الاستغاثة بالنبي الذي مات  والاستعانة به،ومدُّ يد الطلب والضراعة إليه، ما الذي بعثك أن تجرأتَ على ما كتبت نفسك إبان تراجمي ولمِا عرَّفت  العربَ والعجمَ   الأغاليطَ عن عقيدتي،،اللهم إن هذا الخطاب يواجهه كل من على منوال الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله والذين جعلوا الحق كذبا والكذب حقا، وتطالوا في شأن الإمام، كانوا ويكونون،  إذالساعة قامت، (وقد أضفنا دراسة مفصلة عن الإمام “شيخ الإسلام الإمام شاه ولي الله الدهلوي أشعريا،صوفيا ، مذهبيا ، كاتبا”)

    مدخل إلى الدراسة 

    هذا البحث المفيد يلقي الضوء علي مضامين

    ·      مفهوم المديح النبوي

      ·      النشأة المديح النبوي وتطوره

    ·       مساهمة الهندود في الشعر العربي

    ·      المديح النبوي في الشعر العربي الهندي

    ·      شاه ولي الله الدهلوي

    ·      قصيدة “أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم”

    ·      الأهمية التاريخية

    ·      الخاتمة

    ·      النص الكامل للقصيدة

    ·      ملحقات

    تحميل الدراسة pdf.2mb  قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم : تحفة هندية رائعة في المديح النبوي

    مفهوم المديح النبوي

    شعر المديح النبوي هو الشعر الذي نظم في مدح النبي محمد  ﷺ  بتعداد صفاته الخَلقية والخُلقية وإظهار الشوق لرؤيته وزيارة قبره والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياة الرسول ﷺ، مع ذكر معجزاته المادية والمعنوية ونظم سيرته شعرا والإشادة بغزواته وصفاته المثلى والصلاة عليه تقديرا وتعظيما. والمديح النبوي في قول زكي مبارك: “فن من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهو لون من التعبير عن العواطف الدينية وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص”[1]

    يستوحي المديح النبوي مادته الأصلية والإبداعية ورؤيته الإسلامية من القرآن الكريم أولا والسنة النبوية ثانيا. وهناك مصادر ثانوية للمدائح النبوية وهي كتب السيرة التي تتمثل في مجموعة من الوثائق والمصنفات التي كتبت حول سيرة الرسول ﷺ وكتب التفسير التي بينت حياة الرسول ﷺ بيانا واضحا.

    نشأة المديح النبوي وتطوره

    وُلد المديح النبوي في الشعر العربي مع مولد النبي ﷺ، وانتشر بعد ذلك مع انطلاق الدعوة الإسلامية، ولكن المديح النبوي بسماته الخاصة لم يظهر إلا بقصيدة البردة المشهورة للشاعر البوصيري في القرن السابع الهجري.

    وقد ازدهر المديح النبوي ازدهارا واضحا في الفترات التي عانى فيها المسلمون المحن والشدة، فنرى لنضج المديح النبوي ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي المرحلة التأسيسية في فترة الدعوة الإسلامية. وكان الرسول في تلك المرحلة يوجه الشعراء إلى الدفاع عن العقيدة ورد هجوم المشركين نحو الرسول وأصحابه[2]

    تطور فن المديح النبوي في هذه المرحلة على يد الشعراء الذين دافعوا عن الإسلام ورسوله الأمين. ومن بينهم شاعر الرسول حسان بن ثابت وصاحب البردة (بانت سعاد) كعب بن زهير وعبد الله بن رواحة. ومن أهمّ قصـائد المديـح النبـوي في المرحلة التأسيسيـة لاميّـة كعب بن زهيـر بن أبـي سلمى.

    والمرحلة الثانية لتطور المديح النبوي هي المرحلة الوسيطة، وتعتبر هذه المرحلة هي المرحلة الحقيقة لتأسيس فن مستقل في المديح النبوي، وذلك بقصيدة الإمام البوصيري المشهورة بالبردة. وعهد البوصيري عهد المحن والفتنة للأمة المسلمة إذ وقعت فيه الحروب الصليبية. فمن الطبيعي أن ترجع الأمة المسلمة إلى التعاليم الإسلامية والشخصية المثالية لرسوله وأن تكون هذه من أهم موضوع الشعر العربي. وفي هذه المرحلة أيضا ظهرت في العربية أشعار تصوفية. وكان البوصيري (محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري) واحدا من أهم المتصوفين المصريين في عصره[3].

    ويعتبر العصر الحديث مرحلة ثالثة لازدهار المدائح النبوية، لأنه هو عصر التحدي الأكبر، فالقوات الاستعمارية سيطرت الوطن الإسلامي حقبة من الزمن، وهي لا تزال تطلع إلى أراض جديدة واسعة في العالم العربي، ولذلك تعود المدائح النبوية قوة دافعة من جديد، وتعود السيرة النبوية مثلا أعلى وقدوة يتبعها السائرون، فلا غرو أن يظهر لون جديد أيضا بحكم التطور الفني المعاصر[4].

    مساهمة الهنود في الشعر العربي

    قد أسهمت الهند في الأدب العربي مساهمة تستحق العناية والتقدير، وأما الشعر العربي بخصوصه فقد لقي رواجا كبيرا في الهند حيث أنجبت نوابغ من الشعراء الذين أغنوا الشعر العربي بقرائضهم البديعة. ويرجع فضل انتشار الشعر العربي في الهند إلى النظام التعليمي السائد في المدارس الدينية في مختلف العصور حيث كان يهتم بالأدب العربي اهتماما بالغا. يقول الدكتور نبيل فولي: لم يغب عن النظام التعليمي الذي استقر في الهند على صورة “درس نظامي” الشهير هذا الرباط المقدس بين الإسلام واللغة العربية، فأولَوا علوم اللغة العربية وأدبها اهتمامًا بارزًا إلى جانب العلوم الشرعية، حتى صارت دراسة مقامات الحريري وديوان أبي الطيب المتنبي وديوان الحماسة وديوان حسان بن ثابت من ثوابت هذا المنهج. وقد استثارت هذه الدراسة الأدبية قريحة المتعلمين، حتى شارك كثير منهم في قرض الشعر باللسان العربي، ولعل الاهتمام بحفظ هذه المتون الأدبية واستظهارها قد أسهم في تعزيز هذا التوجه نحو الشعر العربي.[5]

    وأما أهم السمات التي يمكن ملاحظتها على العربية وشعرائها في شبه القارة الهندية فتتلخص فيما يلي:

    أ- غلب الاهتمام بالعلم الشرعي على أكثر هؤلاء الشعراء، فمنهم المحدث والمفسر والأصولي والفقيه، ويندر أن نجد من بينهم من غلب عليه الأدب.

    ب- التقليد واقتفاء أثر الشعراء السابقين، وما يتبع ذلك من الركاكة، مع فخامة الألفاظ وغرابتها في أحايين كثيرة، حيث بدا الشعر القديم نموذجًا لا يقصّر الشاعر الهندي في احتذائه، حتى في موضوعاته وطرق تعبيره، فانحصر أغلب شعرهم في المدح والرثاء. ولعل من أسباب الضعف الذي عانى منه أكثر هذا الشعر أيضًا – إضافة إلى غرابة لغة القريض على طباعهم – أن الشاعر الهندي الذي كتب بالعربية كان منغمسًا في العلم والتعليم، فانعكس ذلك في شعره.[6] فكان علماء الهند كأنهم كانوا يتمثلون بقول الإمام الشافعي رحمه الله :

    ولولا الشعر بالعلماء يزري                 لكنت اليوم أشعر من لبيد

    المديح النبوي في الشعر العربي الهندي

    وإذا تتبعنا الشعر العربي الهندي وجدنا أن المدائح النبوية تحتل حصة كبيرة منه، ففي رأي الدكتور نبيل فولي “هذا اللون من القصائد، المخصَّص لمدح النبي صلى الله عليه وسلم شائع في آداب المنطقة بكل لغاتها، ويسمونه بالنعت، وقد أُبدعت فيه قصائد ودواوين كثيرة جدًا، حتى إن بعض شعراء شبه القارة قد لا يبدع شعرًا إلا في هذا اللون وحده.”[7]

    شاه ولي الله الدهلوي

    هو شيخ الإسلام قطب الدين أحمد ولي الله بن عبد الرحيم بن وجيه الدين العمري الدهلوي، ولد في بيت علم وفضل وتدين في 1114هـ . أخذ العلوم عن والده الذي تعهده وتولى تربيته الفكرية والروحية، وكان شيخا من مشايخ الطريقة النقشبندية فأخذها عنه ولده. أقام بالحجاز عامين وأخذ عن شيوخها كالشيخ طاهر محمد بن إبراهيم الكردي بالمدينة والشيخ وفد الله المالكي وتاج الدين القلعي بمكة. كان بحرا في علوم كثيرة عربية وإسلامية وقطبا في زمانه تشد إليه الرحال، حباه الله من الكشف والفهم ما جعله فريدا في نهجه، وجمع بين الحديث والتصوف. وله مؤلفات عديدة أحصى منها السيد عبد الحي الحسني اللكنوي خمسة وثلاثين في مختلف المعارف الإسلامية والعربية[8].

    قصيدة أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم

    هذه قصيدة بائية شهيرة في مائة بيت وستة، توجد في ديوانه الذي جمعه ابنه الشيخ عبد العزيز ورتبه ابنه رفيع الدين. وقد شرح الشاعر نفسه هذه القصيدة في كتاب صغير يعرف بنفس العنوان.

    يبدأ الشاعر هذه القصيدة بذكر ما يعاني منه من المصائب التي يقفو بعضها بعضا وتشغله عن كل راحة، فإنه قد ضاقت صدره من الأزمات والمشكلات التي تحيط به من جميع الجوانب، فيبحث عن ناصر يلوذ به ويلجأ إليه في حل هذه الأزمات وفي تفريج هذه الكرب، فلا يجد إلا النبي محمدا ﷺ، يقول في مطلع القصيدة:

    كأن نجوماً أومضت في الغياهب             عيون الأفاعي أو رؤوس العقارب

    إذا كان قلب المرء في الأمر خاثراً           فأضيق من تسعين رحب السباسب

    وتشغلني عني وعن كل راحتي                   مصائب تقفو مثلها في المصائب

    إذا ما أتتني أزمة مدلهمة                          تحيط بنفسي من جميع جوانب

    تطلبت هل من ناصر أو مساعد              ألوذ به من خوف سوء العواقب

    فلست أرى إلا الحبيب محمداً                        رسول إله الخلق جم المناقب

    ومعتصم المكروب في كل غمرة                        ومنتجع الغفران من كل هائب

    ثم يمضي في مدح الرسول ﷺ فيتحدث عن شرف نسبه وخصائصه الخَلقية والخُلُقية التي تدل على أنه ﷺ كان أحسن الناس خلقا وخلقة، وأنه هو الإنسان الكامل والمثل الأعلى للإنسانية جمعاء،  فيقول:

    سلالة إسماعيل والعرق نازع                           وأشرف بيت من لؤي بن غالب

    بشارة عيسى والذي عنه عبروا                   بشدة بأس بالضحوك المحارب

    ومن أخبروا عنه بأن ليس خلقه              بفظ وفي الأسواق ليس بصاخب

    ودعوة إبراهيم عند بنائه                                   بمكة بيتاً فيه نيل الرغائب

    جميل المحيا أبيض الوجه ربعة                      جليل كراديس أزج الحواجب

    صبيح مليح أدعج العين أشكل                    فصيح له الإعجام ليس بشائب

    وأحسن خلق اللّه خلقاً وخلقة                        وأنفسهم للناس عند النوائب

    وأجود خلق اللّه صدراً ونائلاً                            وأبسطهم كفاً على كل طالب

    وأعظم حر للمعالي نهوضه                         إلى المجد سام للعظائم خاطب

    ترى أشجع الفرسان لاذ بظهره                   إذا احمر باس في بئيس المواجب

    ثم ينتقل إلى بيان الأوضاع التي سادت في القرن السادس الميلادي قبل البعثة النبوية ويبين كيف من الله على المجتمع الإنساني ببعث حبيبه محمد ﷺ على فترة من الرسل يقيم لهم دينهم الذي ارتضى لهم، من بعد ما كان المشركون يفترون على الله الكذب ويحلّون ما حرّم الله ويحرّمون ما أحلّ الله، وكان اليهود والنصارى يحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وكان الناس يعانون من جور الحكام واستبدادهم، فأرسل إليهم الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وأنزل إليه الكتاب يتلى عليهم، وما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه. يصور الشاعر هذه الأمور في الأبيات التالية:

    أتانا مقيم الدين من بعد فترة               وتحريف أديان وطول مشاغب

    فيا ويل قوم يشركون بربهم                وفيهم صنوف من وخيم المثالب

    ودينهم ما يفترون برأيهم                     كتحريم حام واختراع السوائب

    ويا ويل قوم حرفوا دين ربهم                    وأفتوا بمصنوع لحفظ المناصب

    ويا ويل من أطرى بوصف نبيه              فسماه رب الخلق اطراء خائب

    ويا ويل قوم قد أبار نفوسهم                    تكلفَ تزويق وحب الملاعب

    ويا ويل قوم قد أخف عقولهم                 تجبر كسرى واصطلام الضرائب

    فأدركهم في ذاك رحمة ربنا                    وقد أوجبوا منه أشد المعائب

    فأرسل من عليا قريش نبيه                    ولم يك فيما قد بلوه بكاذب

    ومن قبل هذا لم يخالط مدارس ال              يهود ولم يقرأ لهم خط كاتب

    فأوضح منهاج الهدى لمن اهتدى             ومن بتعليم على كل راغب

    ثم يشرع في سرد المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا ﷺ، فإن من علامات الأنبياء وقوع خوارق العادات لهم شاهدة بصدقهم، وهي أفعال يعجز البشرعن مثلها فسميت بذلك معجزة، وقد وقع لسيدنا محمد  ﷺ معجزات عديدة،. يقول الشاعر:

    نصدق دين المصطفى بقلوبنا                      على بينات فهمها من غرائب

    براهين حق أوضحت صدق قوله                 رواها ويروي كل شب وشائب

    من الغيب كم أعطى الطعام لجائع           وكم مرة أسقى الشراب لشارب

    وكم من مريض قد شفاه دعاؤه              وإن كان قد أشفى لوجبة واجب

    ودرت له شاة لدى أم معبد                         حليباً ولا تسطاع حلبة حالب

    وقد ساخ في أرض حصان سراقة                  وفيه حديث عن براء بن عازب

    وقد فاح طيباً كفّ من مسّ كفه             وما حل رأساً جس شيب الذوائب

    وألقى شقي القوم فرث جزورهم                  على ظهره واللّه ليس بعازب

    فألقوا ببدر في قليب مخبث                   وعم جميع القوم شؤم المداعب

    وأخبر أن أعطاه مولاه نصرة                  ورعباً إلى شهر مسيرة سارب

    فأوفاه وعد الرعب والنصر عاجلاً             وأعطى له فتح التبوك ومارب

    وأخبر عنه أن سيبلغ ملكه                    إلى ما أرى من مشرق ومغارب

    فأسبل رب الأرض بعد نبيه                     فتوحاً توارى ما لها من مناكب

    وكلمه الأحجار والعجم والحصى           وتكليم هذا النوع ليس برائب

    وحنَّ له الجذعُ القديمُ تحزناً                 فإن فراق الحب أدهى المصائب

    وأعجب تلك البدر ينشق عنده                وما هو في إعجازه من عجائب

    ولكن أعظم هذه المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة هو القرآن الكريم. يقول الشاعر:

    وراعت بليغ الآي كل مجادل                    خصيم تمادى في مراء المطالب

    براعة أسلوب وعجز معارض                    بلاغة أقوال وأخبار غائب

    ثم يشرع في مدح أصحابه وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه، فيقول في مدح أصحابه الذين ثبتوا معه كالجبال في العسر واليسر، وفي الرخاء والشدة، وقد وصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم:

    إذا ما أثاروا فتنة جاهلية                        يقود ببحر زاخر من كتائب

    يقوم لدفع البأس أسرع قومه                بجيش من الأبطال غر السلاهب

    أشداء يوم البأس من كل باسل             ومن كل قوم بالأسنة لاعب

    توارث أقداماً ونبلاً وجرأة                      نفوسهم من أمهات نجائب

    جزى اللّه أصحاب النبي محمد          جميعاً كما كانوا له خير صاحب

    ويقول في مدح أهل بيته ﷺ أبياتا رائعة، ويدعو الله تعالى أن يجعل أمرهم على الخير والاستقامة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويعد ثلاث خصال من أعجب العجائب، وهي نجابة ذرية أبي طالب، وخلافة بني العباس، ودين النبي محمد ﷺ،  ويذكر أنه لا يزال طائفة منهم ظاهرين على الحق، بعضهم يجاهدون بالسيوف القواطع، وبعضهم بالحجج والبراهين السواطع:

    وآل رسول اللّه لا زال أمرهم

    قويماً على ارغام أنف النواصب

    ثلاث خصال من تعاجيب ربنا

    نجابة أعقاب لوالد طالب

    خلافة عباس ودين نبينا

    تزايد في الأقطار من كل جانب

    يؤيد دين اللّه في كل دورة

    عصائب تتلو مثلها من عصائب

    فمنهم رجال يدفعون عدوهم

    بسمر القنا والمرهفات القواضب

    ومنهم رجال يغلبون عدوهم

    بأقوى دليل مفحم للغواضب

    أشداء يوم البأس من كل باسل

    ومن كل قوم بالأسنة لاعب

    ثم يذكر أنه يرى وجهه الكريم في المنام في بعض الأحيان فيفديه بنفسه وذويه، وأنه يعتريه لذكرىه هزة لا يعرفها إلا ذو حظ عظيم، ثم يصلي على النبي ﷺ ويثني عليه ويستشفع به:

    ويبدو محياه لعيني في الكــــــرى                 بنفسي أفــدّيــــــــه إذاً والأقــــــارب

    وتـدركني في ذكـــره قـشـعــريرة                  من الوجــــد لا يحويه عــلــم الأجانب

    وألـــفي لـــروحي عند ذلك هـزة                وأنســـــــــا وروحا فيه وثبـــــة واثب

    وإنك أعلى المرسليــــن مكانــــــة                  وأنت لهم شـمـس وهـم كالــثـواقـــــب

    وصل إلهي كلما ذرّ شــــــــــارق                    عـلى خاتـم الرســــــل الكرام الأطايب

    وصلى عليك اللّه يا خير خلقه            ويا خير مأمول ويا خير واهب

    ويا خير من يرجى لكشف رزية            ومن جوده قد فاق جود السحائب

    فأشهد أن اللّه راحم خلقه                وأنك مفتاح لكنز المواهب

    وأنك أعلى المرسلين مكانة                 وأنت لهم شمس وهم كالثواقب

    وأنت شفيع يوم لاذو شفاعة               بمغن كما أثنى سواد بن قارب

    وأنت مجيري من هجوم ملة                  إذا أنشبت في القلب شر المخالب

    وأخيرا يقول: لا أخشى الأزمات ولا البليات، لأني متحصن في قلاع محكمة مشيدة، وفي حراسة جنود مجندة، يريد أنه قد اعتصم بالحبيب محمد ﷺ في حفظه عن جميع البلايا والمهلكات:

    فما أنا أخشى أزمة مدلهمة                   ولا أنا من ريب الزمان براهب

    فإني منكم في قلاع حصينة                  وحد حديد من سيوف المحارب

    وليس ملوماً عي صب أصابه              غليل الهوى في الأكرمين الأطائب

    الأهمية التاريخية

    حكم المسلمون الهند منذ أن فتحها محمد الغزنوي سنة (392 هـ ﷺ 1001م)، وتتابعت الدول في حكمها فترة بعد فترة، حتى ألقت بمقاليدها إلى الأسرة التيمورية؛ فنهضت بأعباء الحكم، وأقامت حضارة شاهدة على ما بلغته من تقدم وازدهار، ثم وفد الإنجليز إلى الهند تجارا، فأكرم الحكام المسلمون وفادتهم، وساعدوهم في تجاراتهم، وشيئًا فشيئًا اتسع نفوذهم، وعهد إليهم الحكام المسلمون بالقيام على بعض الأعمال، ولم يكن وجودهم خطرا يهدد الدولة في فترة قوتها، حتى إذا ضعفت أسفر الإنجليز عن وجههم القبيح، وسيطروا على الهند، وعلى حكامها المسلمين الذين بلغت دولة الهند في عهدهم مبلغا كبيرا من الضعف والجهل وانتشار الفساد واللهو.

    وفي ظل هذه الأجواء المتردية، وانشغال الحكام بأنفسهم، وانصرافهم إلى ملذاتهم، تداعت صيحات مخلصة تنبه القلوب الغافلة، وتوقظ العيون النائمة، وتبث العزم في النفوس الخائرة؛ كي تهب وتستفيق وتقوم بما يجب عليها، وتعيد أمجاد الماضي وتسترد نسماته العطرة، وكان شاه ولي الله الدهلوي أعلى  تلك الأصوات، وأكثرها حركة ونشاطا. فإنه قام بعمل تجديدي وإصلاحي ضخم جدا. وإنما يمكن تخيل ضخامة ذلك العمل التجديدي إذا اطلعنا على أحوال المسلمين في الهند في تلك الفترة، وتصورنا تلك الظروف التي آلت إليها الحالة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية للمسلمين في الهند في الفترة التي بدأ فيها الشيخ عمله التجديدي.

    فكان من الطبيعي أن يدعو هذا المجدد الأمة المسلمة إلى التعاليم الإسلامية والشخصية المثالية للرسول ﷺ، وأن يقرض هذه القصيدة الرائعة التي تتسم بصدق العاطفة ومتانة اللغة وجزالة الألفاظ وفخامة المعاني، كما ليس بغريب على ولي الله ذي الباع في العرفان والتصوف أن يقطر شعره حبا ومدحا لرسول الله ﷺ.

    الخاتمة

    وفي نهاية المطاف يمكن أن نستنتج مما سبق النقاط التالية:

    Ø   ولد المديح النبوي في الشعر العربي مع ولادة النبي ﷺ، وانتشر مع انطلاق الدعوة الإسلامية.

    Ø   ازدهر المديح النبوي في العصور التي عانى فيها المسلمون البلاء والشدة.

    Ø   لقي الشعر العربي رواجا كبيرا في الهند، ويرجع فضله إلى النظام التعليمي السائد في المدارس الدينية في مختلف العصور، فإنه كان يهتم بالأدب العربي اهتماما بالغا.

    Ø   من أهم سمات الشعر العربي في الهند غلب الاهتمام بالعلم الشرعي على أكثر الشعراء، والتقليد واقتفاء أثر الشعراء السابقين، وما يتبع ذلك من الركاكة، مع فخامة الألفاظ وغرابتها في أحايين كثيرة.

    Ø   المدائح النبوية تحتل  حصة كبيرة من الشعر العربي الهندي، حتى إن بعض الشعراء كانوا لا يبدعون إلا في هذا النوع وحده.

    Ø   يعتبر شاه ولي الله الدهلوي علما من أعلام الأدب العربي في الهند، ولكنه لم يشتهر في الأدب العربي كما اشتهر في العلوم الإسلامية، ومقامه الذي لا ينازعه فيه أحد هو في العلوم الإسلامية والعرفان.

    Ø   من أهم إنتاجاته الأدبية ديوانه العربي الذي جمعه ابنه الشيخ عبد العزيز ورتبه ابنه رفيع الدين، يوجد فيه هذه القصيدة البائية التي تعتبر واحدة من أروع المدائح النبوية للشعراء الهنود، وقد شرحها بنفسه تحت عنوان “أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم”.

    Ø   ولهذه القصيدة أهمية بالغة من الناحية التاريخية، حيث إن شاه ولي الله الدهلوي رحمه الله عاش في عصر بلغت فيه دولة المسلمين في الهند مبلغا كبيرا من الضعف والجهل وانتشار الفساد واللهو، وأخذ المستعمرون يتسع نفوذهم حتى استولوا أخيرا على الهند. وكانت الحالة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية للمسلمين في الهند في تلك الفترة في غاية التدهور والانهيار، فكانت الأوضاع مواتية لازدهار المديح النبوي.

    Ø   ومن الناحية الأدبية يمكن أن نأخذ هذه القصيدة خير مثال للشعر العربي الهندي الذي ازدهر على أيدي العلماء الإسلاميين، فهذه القصيدة تتسم بصدق العاطفة ومتانة اللغة وروعة الأسلوب، وتحتوي على درر المعاني الإسلامية  وشمائل النبي الكريم ﷺ وأخلاقه وذكر بعض معجزاته ووصف الأوضاع الاجتماعية والدينية إبان بعثته وبث الشكوى إلى النبي ﷺ عما يعانيه من الهموم والأحزان والاستشفاع به والاعتصام به للتخلص من جميع التحديات والمشكلات. وقد استوحى مادته الأصلية والإبداعية من القرآن والسنة وكتب السيرة النبوية. وتبدو في القصيدة براعة الشاعر في اختيار الكلمات والتراكيب وتمكنه من قرض الشعر وإتقانه للغة ورسوخه في العلوم الإسلامية.

    Ø    لا نجد في هذه القصيدة ما يسمى تجديدا في هذا المجال، ولا غرو حيث إن الشاعر عاش في القرن الثامن عشر الميلادي، وفي تلك الأيام كان الشعر العربي جامدا في موضوعاته وساذجا في فكره، ولم يحظ الشعر العربي بالنهضة الحديثة إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي. على الرغم من ذلك يمكن أن نعد هذه القصيدة واحدة من القصائد الرائعة من الطراز الكلاسيكي.

    [1] . د/ زكي مبارك، المدائح النبوية في الأدب العربي، ، المكتبة العصرية، بيروت، ط:1، 1935، ص:17

    [2] . د/ ماهر حسين فهمي، قضايا في الأدب والنقد رؤية عربية، وقفة خليجية، دار الثقافة، دوحة، قطر، ط: 1986، ص: 93-94

    [3] . نجمة حجار، مقالة في صفحة ويب : http://forum.stop55.com/216786.html

    [4] . د/ ماهر حسن فهمي، ص: 94

    [5] د\ نبيل فولي، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت

    [6] المرجع السابق

    [7] نفس المرجع

    [8] د/ أحمد إدريس، الأدب العربي في شبه القارة الهندية حتى أواخر القرن العشرين، الهرم: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1998، ص: 424

    النص الكامل

    النص الكامل

    كأن نجوماً أومضت في الغياهب             عيون الأفاعي أو رؤوس العقارب

    إذا كان قلب المرء في الأمر خاثراً              فأضيق من تسعين رحب السباسب

    وتشغلني عني وعن كل راحتي                   مصائب تقفو مثلها في المصائب

    إذا ما أتتني أزمة مدلهمة                          تحيط بنفسي من جميع جوانب

    تطلبت هل من ناصر أو مساعد              ألوذ به من خوف سوء العواقب

    فلست أرى إلا الحبيب محمداً                        رسول إله الخلق جم المناقب

    ومعتصم المكروب في كل غمرة                        ومنتجع الغفران من كل هائب

    ملاذ عباد اللّه ملجأ خوفهم                              إذا جاء يوم فيه شيب الذوائب

    إذا ما أتوا نوحاً وموسى وآدماً              وقد هالهم إبصار تلك الصعائب

    فما كان يغني عنهم عند هذه                            نبي ولم يظفرهم بالمآرب

    هناك رسول اللّه ينجو لربه                              شفيعاً وفتاحاً لباب المواهب

    فيرجع مسروراً بنيل طلابه                            أصاب من الرحمن أعلى المراتب

    سلالة إسماعيل والعرق نازع                           وأشرف بيت من لؤي بن غالب

    بشارة عيسى والذي عنه عبروا                   بشدة بأس بالضحوك المحارب

    ومن أخبروا عنه بأن ليس خلقه              بفظ وفي الأسواق ليس بصاخب

    ودعوة إبراهيم عند بنائه                                   بمكة بيتاً فيه نيل الرغائب

    جميل المحيا أبيض الوجه ربعة                      جليل كراديس أزج الحواجب

    صبيح مليح أدعج العين أشكل                    فصيح له الإعجام ليس بشائب

    وأحسن خلق اللّه خلقاً وخلقة                        وأنفسهم للناس عند النوائب

    وأجود خلق اللّه صدراً ونائلاً                            وأبسطهم كفاً على كل طالب

    وأعظم حر للمعالي نهوضه                         إلى المجد سام للعظائم خاطب

    ترى أشجع الفرسان لاذ بظهره                        إذا احمر باس في بئيس المواجب

    وآذاه قوم من سفاهة عقلهم                          ولم يذهبوا من دينه بمذاهب

    فما زال يدعو ربه لهداهمُ                          وإن كان قد قاسى أشد المتاعب

    وما زال يعفو قادراً من مسيئهم            كما كان منه عنده جبذة جاذب

    وما زال طول العمر للّه معرضاً           عن البسط في الدنيا وعيش المزارب

    بديع كمال في المعالي فلا امرؤ               يكون له مثلاً ولا بمقارب

    أتانا مقيم الدين من بعد فترة               وتحريف أديان وطول مشاغب

    فيا ويل قوم يشركون بربهم                وفيهم صنوف من وخيم المثالب

    ودينهم ما يفترون برأيهم                               كتحريم حام واختراع السوائب

    ويا ويل قوم حرفوا دين ربهم                    وأفتوا بمصنوع لحفظ المناصب

    ويا ويل من أطرى بوصف نبيه              فسماه رب الخلق اطراء خائب

    ويا ويل قوم قد أبار نفوسهم                    تكلفَ تزويق وحب الملاعب

    ويا ويل قوم قد أخف عقولهم                 تجبر كسرى واصطلام الضرائب

    فأدركهم في ذاك رحمة ربنا                    وقد أوجبوا منه أشد المعائب

    فأرسل من عليا قريش نبيه                    ولم يك فيما قد بلوه بكاذب

    ومن قبل هذا لم يخالط مدارس ال              يهود ولم يقرأ لهم خط كاتب

    فأوضح منهاج الهدى لمن اهتدى             ومن بتعليم على كل راغب

    وأخبر عن بدء السماء لهم وعن             مقام مخوف بين أيدي المحاسب

    وعن حكم رب العرش فيما يعينهم        وعن حكم تروى بحكم التجارب

    وأبطل أصناف الخنى وأبادها                 وأصناف بغي للعقوبة جالب

    وبشر من أعطى الرسول قياده                بجنة تنعيم وحور كواعب

    وأوعد من يأبى عبادة ربه                    عقوبة ميزان وعيشة قاطب

    فأنجى به من شاء ربـي نجاتـــــه                     ومن خالب فلتندبه شر النوادب

    فأشهد أن اللّه أرسل عبده                      بحق ولا شيء هناك برائب

    وقد كان نور اللّه فينا لمهتد                        وصمصام تدمير على كل ناب

    وأقوى دليل عند من تم عقله                 على أن شرب الشرع أصفى المشارب

    تواطى عقول في سلامة فكره                         على كل ما يأتي به من مطالب

    سماحة شرع في رزانة شرعة                         وتحقيق حق في إشارة حاجب

    مكارم أخلاق وإتمام نعمة                            نبوة تأليف وسلطان غالب

    نصدق دين المصطفى بقلوبنا                      على بينات فهمها من غرائب

    براهين حق أوضحت صدق قوله                 رواها ويروي كل شب وشائب

    من الغيب كم أعطى الطعام لجائع           وكم مرة أسقى الشراب لشارب

    وكم من مريض قد شفاه دعاؤه              وإن كان قد أشفى لوجبة واجب

    ودرت له شاة لدى أم معبد                         حليباً ولا تسطاع حلبة حالب

    وقد ساخ في أرض حصان سراقة                  وفيه حديث عن براء بن عازب

    وقد فاح طيباً كفّ من مسّ كفه             وما حل رأساً جس شيب الذوائب

    وألقى شقي القوم فرث جزورهم                  على ظهره واللّه ليس بعازب

    فألقوا ببدر في قليب مخبث                   وعم جميع القوم شؤم المداعب

    وأخبر أن أعطاه مولاه نصرة                  ورعباً إلى شهر مسيرة سارب

    فأوفاه وعد الرعب والنصر عاجلاً             وأعطى له فتح التبوك ومارب

    وأخبر عنه أن سيبلغ ملكه                    إلى ما أرى من مشرق ومغارب

    فأسبل رب الأرض بعد نبيه                     فتوحاً توارى ما لها من مناكب

    وكلمه الأحجار والعجم والحصى           وتكليم هذا النوع ليس برائب

    وحنَّ له الجذعُ القديمُ تحزناً                 فإن فراق الحب أدهى المصائب

    وأعجب تلك البدر ينشق عنده                وما هو في إعجازه من عجائب

    وشق له جبريل باطن صدره                لغسل سواد بالسويداء لازب

    وأسرى على متن البراق إلى السما         فيا خير مركوب ويا خير راكب

    وشاهد أرواح النبيين جملة                لدى الصخرة العظمى وفوق الكواكب

    وشاهد فوق الفوق أنوار ربه                  كمثل فراش وافر متراكب

    وراعت بليغ الآي كل مجادل                    خصيم تمادى في مراء المطالب

    براعة أسلوب وعجز معارض                    بلاغة أقوال وأخبار غائب

    وسمّاه رب الخلق أسماء مدحة             تبين ما أعطى له من مناقب

    رؤف رحيم أحمد ومحمّد                    مقفٍى ومفضال يسمى بعاقب

    إذا ما أثاروا فتنة جاهلية                        يقود ببحر زاخر من كتائب

    يقوم لدفع البأس أسرع قومه                بجيش من الأبطال غر السلاهب

    أشداء يوم البأس من كل باسل             ومن كل قوم بالأسنة لاعب

    توارث أقداماً ونبلاً وجرأة                      نفوسهم من أمهات نجائب

    جزى اللّه أصحاب النبي محمد          جميعاً كما كانوا له خير صاحب

    وآل رسول اللّه لا زال أمرهم                 قويماً على ارغام أنف النواصب

    ثلاث خصال من تعاجيب ربنا                نجابة أعقاب لوالد طالب

    خلافة عباس ودين نبينا                      تزايد في الأقطار من كل جانب

    يؤيد دين اللّه في كل دورة                 عصائب تتلو مثلها من عصائب

    فمنهم رجال يدفعون عدوهم              بسمر القنا والمرهفات القواضب

    ومنهم رجال يغلبون عدوهم                    بأقوى دليل مفحم للغاضب

    ومنهم رجال بـيـنـــــوا شرع ربنا                   ومـا كـان فـيـه مـن حـــــرام وواجــــب

    ومنهم رجال يدرســون كتـابــــــه                     بتجويـــــد تـرتـيـــــل وحفـظ مـراتـــب                    ومنهم رجال فســــروه بعلمهـــــم                     وهـم عــلــمــونــا مــا بــه من غـــرائب

    ومنهم رجال بالحــديث تولعـــــوا              وما كان فـيـه من صحـيـح وذاهــــــــب

    ومنهم رجال مخلصون لربهـــــــم                    بأنفـسـهـــم خصـب البـــــــــلاد الأجادب

    ومنهم رجال يهتـــــدى بعظاتهــــم                   قيــام إلى ديـــــن مـن الله واصـــــب

    عــلى الله رب الناس حسن جزاءهـم           بما لا يوافـــي عـــــده ذهــــن حاســــب

    فمن شـــــاء فـلـيـذكر جمال بثينة              ومـن شـــــاء فـلـيغـزل بحـب الربائب

    سأذكـــــر حبي للحــبيب محمــــد                إذا وصف العشـــــــــاق حب الحبائب

    ويبدو محياه لعيني في الكــــــرى                 بنفسي أفــدّيــــــــه إذاً والأقــــــارب

    وتـدركني في ذكـــره قـشـعــريرة                  من الوجــــد لا يحويه عــلــم الأجانب

    وألـــفي لـــروحي عند ذلك هـزة                وأنســـــــــا وروحا فيه وثبـــــة واثب

    وإنك أعلى المرسليــــن مكانــــــة                  وأنت لهم شـمـس وهـم كالــثـواقـــــب

    وصل إلهي كلما ذرّ شــــــــــارق                    عـلى خاتـم الرســــــل الكرام الأطايب

    وصلى عليك اللّه يا خير خلقه            ويا خير مأمول ويا خير واهب

    ويا خير من يرجى لكشف رزية            ومن جوده قد فاق جود السحائب

    فأشهد أن اللّه راحم خلقه                وأنك مفتاح لكنز المواهب

    وأنك أعلى المرسلين مكانة                 وأنت لهم شمس وهم كالثواقب

    وأنت شفيع يوم لاذو شفاعة               بمغن كما أثنى سواد بن قارب

    وأنت مجيري من هجوم ملة                  إذا أنشبت في القلب شر المخالب

    فما أنا أخشى أزمة مدلهمة                   ولا أنا من ريب الزمان براهب

    فإني منكم في قلاع حصينة                  وحد حديد من سيوف المحارب

    وليس ملوماً عي صب أصابه              غليل الهوى في الأكرمين الأطائب

  • العلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي وخدماته العلمية والأدبية

    العلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي وخدماته العلمية والأدبية

    الدكتور: محمد أويس صديقي

    يعد الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله من الأعلام الهنود البارزين في القرن العشرين، الذين قاموا بخدمات جليلة في مجال العلم والأدب والدين، وبذلوا كل ما في وسعهم من جهود لنشر الوعي الإسلامي  والتعليمي، وتثقيف أبناء قومه و بنى جلدته ثقافة إسلامية في صورتها الصحيحة، بعدما استولى الاستعمار الإنجليزي الغاشم على البلاد، وحاول بشتى الأساليب القضاء على مقومات الحضارة الهندية العريقة المبنية على احترام مشاعر الأخرين، والتعايش السلمي بين معتقدي الديانات المختلفة الذين يعيشون معا بالوئام والتعاون فيما بينهم في هذه البلاد منذ قرون

    وكان الشيخ شبير أحمد سائرا على درب سلفه علماء دار العلوم بديوبند، الذين كانوا في طليعة النضال والكفاح والمقاومة ضد الاستعمار الإنجليزي الذي استولى على البلاد، وبدأ يتلاعب بخيرات البلاد ومقدراتها، ويتحكم في مصير الأمة الهندية، ويتصدر ممتلكات الهنود في فرضه قوانينه اللأخلاقية.

    ولد الشيخ شبير أحمد رحمه الله عام ١٣٠٥ ه، الموافق ل ١٨٨٧ في مدينة “بجنور” الواقعة في غرب ولاية أترابراديش الهند، في أسرة متدينة تنحدر إلى أصل عربي، إذ أنه كان من أولاد الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله، وكان والده الشيخ فضل الرحمان عالما معروفا متمكنا من العلوم العربية والإسلامية يعمل آنذاك في مدينة “بجنور” كمفتش للمدارس. حفظ الشيخ شبير أحمد القرآن الكريم – كعادة أطفال أشراف وسادات بلدة ديوبند – في سن مبكر، ثم التحق بالجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند، وقرأ كتب النحو والصرف والتفسير والحديث والفقه والعقيدة، وكتب العلوم الإسلامية الأخرى حسب المنهج النظامي المتداول في الجامعة، على يد كبار أساتذتها، أمثال الشيخ محمود حسن الديوبندي، الملقب ب  شيخ الهند”، والشيخ خليل أحمد السهارنبوري، صاحب “البذل المجهود في شرح أبي داؤد”، حتى تخرج في الجامعة عام ١٣٢٥ ه الموافق ل ١٩٠٧ م والشيخ العلامة أنور شاه ا لكشميري[1]

    وكان الشيخ شبير أحمد من أبرز تلامذة الشيخ محمود حسن الديوبندي، الذي كان يدرس الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، وكتب الحديث الأخرى في الجامعة الإسلامية دار العلوم بديوبند آنذاك، وكان الناس يشدون إليه الرحال من أرجاء البلاد وخارجها في ذلك العصر لتعلم الحديث النبوي الشريف، وبعد تخرجه من الجامعة، عين كمدرس في “المدرسة العالية” المعروفة الواقعة بمنطقة “فتح بوري” بدلهي، وقضى فيها عدة سنوات، يدرس الطلبة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ونال درسه قبولا لدى الطلبة في هذه المدرسة لتمكنه من اللغة العربية، وتضلعه في العلوم الإسلامية وقدرته على تدريسها، الأمر الذي لفت انتباه القائمين على الجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند، الذين كان بعض منهم من أساتذة العلامة شبير أحمد، ويعرفون قدراته وتمكنه من اللغة العربية، وتضلعه في العلوم الإسلامية، فدعوه إلى الجامعة الإسلامية، وعينوه كمدرس فيها، فبدأ يدرس فيها كتب النحو والصرف، والتفسير والحديث. ونال درسه قبولا بين طلاب الجامعة أيضا، ثم اشتهر في الأوساط العلمية والدينية والعلمية بدرسه لصحيح الإمام مسلم رحمه الله، الذي شرحه وسمى شرحه ب “فتح المله في شرح الإمام مسلم” باللغة العربية. وسنتكلم عنه ببسط في نهاية هذا المقال. درس الشيخ شبير أحمد كتب الحديث والتفسير والأدب العربي في الجامعة الإسلامية دار العلوم بديوبند، حوالى عشرين سنة، ولكنه ترك منصب التدريس بالجامعة لحدوث خلاف بينه وبين القائمين عليها لذلك ذهب إلى منطقة “غجرات” مع أستاذه العلامة أنور شاه الكشميري رحمه الله، وبدأ يدرس الحديث النبوي الشريف في جامعة ” تعليم الدين ” ب “دابيل” غجرات، ودرس هناك سنتين، ثم رجع إلى الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، بأمر من مشائخه وأساتذته، وبدأ يدرس فيها الحديث، وتولى منصب شيخ الجامعة، ومكث بها إلى ماشاء الله أن يمكث.

    ثم سافر العلامة شبير أحمد إلى مدينة “كراتشى” قبل انقسام الهند إلى دولتين، وأقام بها، وانضم إلى جماعة “مسلم ليك” (رابطة المسلمين)، لحدوث خلاف بينه وبين أعضاء جمعية علماء الهند، حول قضية مساندة جمعية علماء الهند لحزب المؤتمر الوطني، وأثناء إقامته بكراتشى، قام بإصلاح النظام التعليمي والإداري للجامعة العباسية الواقعة بمدينة “بهاول بور”، وأثناء قيامه بإصلاح النظام التعليمي والإداري لها أصابته وعكة__ صحية، أدت إلى وفاته، فقد وافاه الأجل المحتوم عام ١٣٢٥ ه الموافق ل ١٩٤٩ م بمدينة كراتشى، ودفن بها [2]

    .

    أعماله العلمية وجهوده الدينية

    كان العلامة شبير أحمد العثماني كاتبا قديرا، وخطيبا مصقعا، وداعيا إلى الله، وله جولات وصولات دعوية، يخطب في المحافل الدينية، وكانت خطباته مقبولة في عامة الناس، كما كانت مقبولة في الأوساط العلمية. وكان الناس يعتبرونه ترجمانا لفكر علماء دارالعلوم/ديوبند، وكان فكره مستمدا من فكر الإمامين الجليلين، وهما العلامة المحدث الشاه ولي الله الدهلوي، صاحب كتاب “حجة الله البالغة” والإمام محمد قاسم النانوتوي، مؤسس الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند.

    وكان العلامة شبير أحمد العثماني كاتبا قديرا، يكتب باللغتين العربية والأردية، وقد قام بتأليف عدة كتب بالعربية والأردية، من بينها كتابه الشهير فتح الملهم في شرح مسلم باللغة العربية، وكتابه “الإسلام، العقل والنقل”، وكتاب إعجاز القرآن الكريم، وكتاب “الشهاب لرجم الخاطف المرتاب” باللغة الأردية وبالإضافة إلى ذلك كتب عدة مقالات أخرى حول القضايا الدينية والسياسية، ومن المناسب أن نتعرف على كتاباته بشيء من التفصيل.

    1)    

    فتح الملهم

    :

    هذا كتاب له شرح فيه الصحيح للإمام مسلم رحمه  الله باللغة العربية، وقد تم طبعه لأول مرة على نفقة السلطان “آصف جاه” السابع “مير عثمان علي خان بهادر” لذلك أهدى كتابه إليه، فيقول في الإهداء :

    “إلى ذي الهمة الشماء والعزة القعساء، والشهامة والشهم، إلى من سهرت عينه لتنام عين رعيته حتى غدت في رفاهية حال، وراحت في طمانينة بال وسرور ونعم إلى سلطان العلوم والمعارف والحكم.

    مقرب أهل العلم ناشر مجدهم                   مجدد علم الأولين الأوائل

    إلى مظفر الممالك نظام الدولة نظام الملك السلطان بن السلطان سلطان العلوم آصف جاه السابع، مير عثمان علي خان بهادر أدام الله سلطنته وأيامه وخلد ذكره المسعود إلى يوم القيامة، أقدم هذا الكتاب الجليل، فإنه بعض مآثره الجليلة، ومساعيه الجميلة، ومكارمه المشكورة، ومفاخره المشهورة، وأهديه تخليداً لذكر ملكنا المحبوب المعظم، وإبقاءًا لعاطر الثناء عليه، ما بقى الفرقدان، وكر الجديدان” [3]

    بهذه الكلمات العالية، أهدى الشيخ شبير أحمد العثماني كتابه هذه إلى مير عثمان علي خان، نظام الملك آنذاك. وفي بداية الكتاب كتب العلامة شبير أحمد العثماني مقدمة ضافية، تناول فيها علم مصطلح الحديث ومنهج شرحه لصحيح مسلم، وتكلم عن هذا العلم ببسط وإيضاح، وقد بدأها بهذه العبارة :

    “الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإخوانه من الأنبياء والمرسلين السالفين، وعلى آله وأصحابه الطيبيين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وبعد، فهذه فصول نافعة مهمة في بيان مبادئ علم الحديث وأصوله التي يعظم نفعها ويكثر دورانها، انتقيتها من الكتب المعتبرة عند علماء هذا الشأن مع بعض زيادات مفيدة سنحت لي في أثناء التأليف، فأحببت أن أجعلها كالمقدمة للشرح ليكون الناظر على بصيرة فيما يتضمن عليه الكتاب من مباحث الحديث ومتونه وأسانيده وبالله التوفيق” [4]

    بهذه العبارة البليغة، بدأ بمقدمة هذا الشرح الذي ما استطاع إكماله، لأن الأجل المحتوم قد حال دون إكماله إلا أنه شرح الصحيح للإمام مسلم حتى كتاب الرضاع في ثلاث مجلدات. وقد قام بتكميله العلامة محمد تقي العثماني الباكستاني، وسماه بتكملة فتح الملهم، وقد طبع عدة مرات من ديوبند ومن المكتبات المشهورة في البلاد العربية.

    والمقدمة الضافية التي كتبها العلامة شبير أحمد العثماني جديرة بأن تطبع على عدة في كتاب، لأنها مقدمة طويلة تشتمل على مائة صفحة، وقد تكلم فيها ببسط حول فن مصطلح الحديث وأصوله، وذكر تعاريف المصطلحات المعروفة لدى المحدثين، كما اهتم بذكر أقوال العلماء في تعاريفها، ورجح بعض الأقوال في هذا الشأن.

    ثناء العلماء على هذا الشرح

    وقد أثنى المحدثون والعلماء على هذا الشرح الجيد لصحيح مسلم، وبينوا خصائصه، كما أثنوا على مؤلفه، وأشادوا بعلمه من النواحي   المختلفة، يقول الشيخ أبوالحسن علي الندوي في مقدمة كتاب تكملة فتح الملهم:

    قيض الله في عصرنا الحاضر، وفي محيطنا العلمي والديني والتأليفي العلامة شبير أحمد العثماني الديوبندي المتوفى ١٣٦٩ ه، لشرح مسلم  ، وكان جديرًا بذلك، قديرًا عليه لرسوخه في العلوم الشرعية، وتضلعه منها، مع صحة العقيدة، وسلامة الفكر، وما يحتاج إليه الجيل الإسلامي الجديد، والعصر الحديث من تحقيقات وإقناعات علمية عقلية وكلامية، وما يقتضيه     الزمان من بسط في بعض المواضيع العلمية، وإيجاز في بعضها، وما أثير في هذا العهد من بحوث وتساؤلات، وتشكيكات لتاثير الحضارة الغربية، والنظم التعليمية الأجنبية، مع بيان أسرار الشريعة، مستفيدًا في ذلك من كتب الإمام ولي الله الدهلوي، والإمام الغزالي، والشيخ محي الدين ابن العربي، مع الاستدلال للمذهب الحنفي في القضايا الشرعية، وإيضاحه مع البحث المقارن، والدراسة المقارنة ونقل ما انتقل من جيل إلى جيل من الدارسين لكتب الحديث والمدرسين لها، من تحقيقات أساتذة هذه المدرسة الحديثية الحنفية، وما جاء منها في كتاب مطمور أو مغمور لم يكن بمتناول الطلبة، مع إعطاء المذاهب الأخرى غير المذهب الحنفي حقها من العرض الصحيح والبحث المنصف” [5]

    في هذه العبارة الوجيزة ذكر العلامة الندوي معظم خصائص هذا الشرح وأسلوبه، وذكر أن العلامة شبير أحمد العثماني لم يتناول الأحاديث الواردة في صحيح مسلم من ناحية، بل استعرض القضايا الواردة فيها من النواحي المختلفة، وترجيح المذهب الحنفي في القضايا الفقهية، وتفنيد آراء المشككين في العقائد الإسلامية، وذلك كله بعبارة سهلة مفهومة

    . وقد أثنى على هذا الكتاب غير واحد من علماء العرب والمحدثين منهم، يقول

    الشيخ عبد الفتاح أبوغده

    رحمه الله :

    أما كتاب مسلم فكانت العناية به دون العناية بكتاب البخاري، وهو من حيث الصيغة الحديثية في سياقة أحاديثه. أعذب موردا، وأروى مشربا، وقد خدمه بالشرح والعناية علماء كبار، وفحول أبرار، وكان من آخرهم محقق العصر، مجمع الفضائل العز الزهر، مولانا الإمام الهمام شبير أحمد العثماني، فكان كتابه الذي شرح به صحيح مسلم، كما سماه “فتح الملهم” وانتهى به شرحا إلى كتاب الرضاع، ثم اخترمته المنية قبل بلوغ الأمنية.” [6]

    ويقول عالم من علماء العرب

    :

    فإن كتاب فتح الملهم من أجل مؤلفات العلامة المحقق الداعية الكير الشيخ شبير أحمد العثماني، لا يجهله أحد ممن له علاقة بالعلوم الإسلامية، وخاصة الحديثية منها، وقد شرح فيه رحمه الله الجامع__ الصحيح لمسلم شرحا حافلا، جمع فيه أبحاثا نادرة، وقواعد مبتكرة، وتكلم على كل حديث بما يشرح معانيه، ويبين وقائعه، ويوضح أقوال علماء الأمة فيه، ويرجح ما رجح فيها عنده، ثم يأتى في أكثر المواضيع برأي وجيهه من عنده، ثم من عند مشائخه وأساتذه”

    [7]

    وقد أثنى على هذا الشرح

    العلامة زاهد الكوثري

    الذي زار الهند، وطالع هذا الكتاب، وأبدى إعجابه بلغته وأسلوبه وطرازه في عرض القضايا الواردة في الأحاديث، وإتيان أقوال علماء ومهرة الفنون المختلفة، وتفنيدآراء من يريد النيل من شعائر الإسلام، وترجيح رأي الأحناف في القضايا الفقهية، مع عرض الآراء الفقهية الأخرى واستدلالاتها، كما عده من العلماء المحققين البارزين.

    2)    

    تفسيره لكلام الله عزوجل

    وقد كتب العلامة شبير أحمد العثماني تفسير القرآن الكريم بلغة أردية، وقد عده علماء الديار الهندية من أفضل تفاسير القرآن الكريم باللغة الأردية، وفي الواقع، ترجم أستاذه الشيخ محمود حسن الديوبندي القرآن الكريم إلى اللغة الأردية مستفيدًا في ذلك من تفسير “موضح القرآن” باللغة الأردية للشيخ عبدالقادر الدهلوي، أحد من أبناء الإمام الشاه ولي اللهالدهلوي، وهو أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الأردية، فترجم الشيخ    محمود حسن الديوبندي القرآن الكريم كله إلى اللغة الأردية، ثم بدأ يكتب تفسيره، وكتب تفسير سورة البقرة، ولكن الأجل المحتوم قد حال دون إكماله، فلما لاحظ العلامة شبير أحمد نفع هذا التفسير، أراد إكماله، وانتهج   التلميذ البار أسلوب أستاذه في التفسير، وأكمل هذا التفسير. وهذا التفسير معروف في الأوساط العلمية الهندية بترجمة شيخ الهند، وقد طبع عدة مرات من ديوبند، ونال القبول في بيوت المسلمين في الهند

    . ونظرًا لأهمية هذا التفسير، وعظيم نفعه، أشار سماحة العلامة الشيخ أبوالحسن علي الندوي على مسؤلي مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، يطبع هذا التفسير من المجمع، عندما استشاره مسؤلوا المجمع في طبع المصحف الشريف مع ترجمة معانيه إلى اللغة الأردية، وقد طبع من المجمع عدة مرات، وتم توزيع نسخه في شبه القارة الهندية على نطاق واسع.

    3)    

    .

    الإسلام

    هذا كتاب قيم للعلامة شبير أحمد العثماني باللغة الأردية وقد تكلم فيه عن العقائد الإسلامية الأساسية، وأثبتها بطرق شتى وأجاب عن من ينكرونها، مستدلا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمسلمات العقلية. تكلم أولا عن عقيدة التوحيد، والفوائد في الإيمان بها، والمضار في عدم الإيمان بها، كما أثبت عقيدة الرسالة والنبوة، وعقيدة الآخرة، والبعث بعد الموت، وذكر في نهاية هذا الكتاب خدمات علماء دارالعلوم في الحفاظ على العقائد الإسلامية في البلاد الهندية.

    4)    

    العقل والنقل

    كتاب قيم للعلامة شبير أحمد العثماني ذكر فيه قضية الخلاف بين العقل والنقل، وأثبت بأنه لا يوجد أي خلاف بين العقل السليم والنقل الصحيح وبين العقل والنصوص الشرعية، وأن جميع النصوص الشرعية موافقة للعقل السليم. وقد ذكر في تائيد موقفه من هذه القضية آراء علماء الإسلام، أمثال الشيخ أبوحامد الغزالي، والشيخ محي الدين ابن العربي، والمحقق الطوسي، وابن خلدون، وابن رشد، وابن تيمية، والشيخ أحمد السرهندي الفاروقي والشيخ الشاه ولي الله الدهلوي والإمام محمد قاسم النانوتوي.

    5)    

    خوارق للعادة (الإسلام والمعجزات

    في هذا الكتاب، بحث عن قضية المعجزات التي زعم فيها صغار الجهلاء بأنها توهمات وافتراضات عقلية، وليس لها وجود في الواقع. رد العلامة هذا الزعم، وأتى بدلائل عقلية ونقلية لإثبات المعجزات وأنها مظهرة لقدرة الله الكاملة، ومطابقة للفطرة الإنسانية. في بداية الكتاب، تكلم عن العلاقة الموجودة القائمة بين أمور خارقة للعادة، والقوانين الإلهية، ثم أثبته بالآيات القرآنية والمسلمات العقلية

    6)    

    إعجاز القرآن الكريم

    .

    تكلم في هذا الكتاب عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم وكونه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون الرسول من المنذرين. وللعلامة شبير أحمد العثماني كتب أخرى، مثل الدار الآخرة، والهدية السنية وجزاء من يرتد عن الإسلام في الإسلام، وغيرها من الكتب القيمة، ومن يريد الاستزادة من معارفه فله أن يراجع كتاب “مقالات عثماني” الذي طبع من دار المؤلفين بديوبند عام      ٢٠٠٩ م.

    والجدير بالذكر أن العلامة شبير أحمد العثماني كتب الخطبة الرئاسية بمناسبة تأسيس الجامعة الملية الإسلامية بمدينة عليكراه عام ١٩٢٠ م، نيابة عن أستاذه العلامة محمود حسن الديوبندي الملقب بشيخ الهند، الذي كان من مؤسسي هذه الجامعة، لأنه كان مريضا آنذاك، ثم قدمها أيضا العلامة شبير أحمد نيابة عنه في الجلسة الافتتاحية للجامعة الملية الإسلامية في حضور أستاذه.

    تمكن العلامة شبير أحمد من اللغة العربية

    :

    كان الشيخ شبير أحمد العثماني متمكنا من اللغة العربية والعلوم العربية وآدابها، وكانت لغته ممتازة، يكتب بالعربية بدون أي تكلف ومشقة، ولا توجد في عباراته ركاكة، وكان قادرًا على أن ينقل أفكاره إلى القراء بعبارات خالية من الأخطاء التعبيرية والنحوية والصرفية، وكان أسلوبه في شرحه لمسلم أسلوبا علميا رصينا محكما. يقول في شرح حديث “والحياء شعبة من الإيمان”:

    الحياء في اللغة تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به ويلام عليه، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر، الحياء خير كله، فان قيل الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان، أجيب بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا ولكن استعماله على وفق الشرع  يحتاج إلى اكتساب علم ونية فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية

    هذه العبارة تدل على تمكنه من العربية، كما تدل على أن أسلوبه أسلوب علمي رصين يميل بعض الشيء إلى أساليب المتقدمين من المحدثين والشارحين للحديث.

    وكان العلامة شبير أحمد العثماني قادرًا على الخطابة باللغتين العربية والأردية، وكان يتحدث العربية بكل طلاقة، وبدون أدنى عنا، وأرى من  المناسب أن أحكى للقراء قصة هدم القبة المبنية على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ١٩٣٢ م، أذكر هنا خطبة العلامة شبير أحمد العثماني البليغة المؤثرة التي ألقاها في المسجد النبوي أمام جمع كبير من علماء العرب والعجم، وقد حضرها الملك عبد العزيز المغفور له بنفسه.

    كان الملك عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية السابق – طيب الله ثراه – فتح المدينة المنورة عام ١٩٢٥ م، بعد سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤ م، وأمر بإخفاء الآثار الإسلامية أو محوها، مخافة وقوع الناس في البدع والخرافات بإسم الدين، فبرزت على الساحة قضية هدم القبة الموجودة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشار الملك عبد العزيز علماء بلاده في هدم هذه القبة أو الإبقاء على حالها، فأشار علماء بلاده عليه بهدمها وقالوا : لا يناسب بناء قبة على قبر سواء كان القبر قبرا لنبي أو قبرا لولي، فلما أفتى علماء الحجاز بذلك، حدثت ضجة كبرى في العالم الإسلامي حول هذه القضية. وكان الملك عبد العزيز رجلا تقيا ورعا، بصيرا بالأمور، فأحس بخطورة هذه القضية، ووجه دعوة إلى علماء العالم الإسلامي للحضور في المدينة المنورة (زادها الله شرفا وتعظيما) بخصوص هذا الأمر، وناداهم بإيجاد حل إسلامي لهذه القضية.

    فحضر علماء العالم الإسلامي إلى المدينة المنورة (زادها الله شرفا وتعظيما) لإيجاد حل مناسب لها. ومن بينهم كان صاحبنا العلامة شبير أحمدالعثماني، الذي كان يمثل هناك مسلك علماء دارالعلوم بديوبند. فاجتمع علماء العرب والعجم في رحاب المسجد النبوي الشريف وكان الملك موجودا في المجلس.

    بدئ المجلس بتلاوة آي من الذكر الحكيم، ثم قام عالم من علماء العرب، وعرض القضية بجميع جوانبها وأبعادها، وبين موقف علماء الحجاز منها، وقال ! لا يناسب بناء قبة على قبر، سواء كان ذلك القبر قبرا لنبي أو قبرا لولي، لأن النصوص الشرعية تدل على كراهة بنائها، ثم قدم دلائل نقلية وعقلية لإثبات هذا الرأي، فلما انتهى ذلك العالم العربي من تقديم موقف علماء الحجاز، أشار الملك عبد العزيز رحمه الله إلى علماء البلاد الخرى الذين حضروه لتقديم موقفهم تجاه هذه القضية، فاختار علماء البلاد__ الأخرى العلامة شبير أحمد العثماني لتقديم موقفهم ورأيهم في هذا الأمر، إذن قام العلامة شبير أحمد فحمد الله وأثنى عليه، وصلى وسلم على الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، ثم قدم موقف علماء دارالعلوم/ديوبند من هذه القضية أمام العلماء بلغة قوية، وأسلوب محكم، فقال : نسلم أنه لا يناسب بناء قبة على قبر نبي من الأنبياء، إلا أنه لا يناسب الآن هدمها، لأن الملك عبد العزيز وحد المملكة العربية السعودية في العهد القريب، وكلنا نريد الإصلاح والحد من انتشار البدع والخرافات ، والإصلاح عملية لا تتم إلا بالتدريج، لأن التدريج عملية قوية راعتها الشريعة الإسلامية في كل مناسبة وفي كل أمر من الأمور المهمة، ثم استدل بحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، فقد ورد فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لزوجته عائشة يوم فتح مكة : يا عائشة “لولا أن قومك حديث عهد بالإسلام لنقضت الكعبة ” الخ. ولكن قومها كان حديث عهد بالإسلام، لذلك امتنع عن نقض الكعبة وإبقائها على بناء قريش، مراعيا في باب الإصلاح عملية التدريج، التي تعتبر من أهم القواعد الشرعية، لذلك لا يناسب هدمها الآن. فلما انتهى العلامة من كلامه سكت الجميع، وكان الملك عبد العزيز المغفور له يقول لهم : أجيبوا الهندي، أجيبوا الهندي، فكانوا كلهم ساكتين، فمن أجل تلك الخطبة المؤثرة البليغة بقيت القبة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الواقعة إن دلت على شيء فانما تدل على أن العلامة كان يمتلك ناصية البيان، وكان متمكنا من العربية، وقادرا على الخطابة فيها.

    ينتمي علامة العصر إلى المدرسة الأشعرية الأصيلة التي تسود العالم الإسلامي والتي هي من درب علماءه القدامي غير تائه عن جادة أهل السنة والجماعة وعن طريق السواد الأعظم من الأمة. حيث أورد معالمها ومساندها في عدة مواضع في كتبه ، وقد كان رحمه الله حنفي المذهب إذ نقد موقف اللامذهبيين نقدا صحيحا واضحا بعبارة سهولة، وتفنّد آراء متشدقي ألسنتهم وفق علماء الغرب ردفاء الوهم كأمثال الأستاذ أبي الأَعْلَى الَموْدُودِيِّ، وكسر مزاعم هؤلاء وأذل دلائلهم ورد تشكيكاتهم ردّا بليغا، قد حُفلت صحفات فتح الملهم بهذه القضايا .

    مثلا قوله

    قال في تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] علم من هذه الآية الشريفة: أنه لا يجوز الاستمداد في الحقيقة من غير الله، ولكن إذا جعل شخص مقبول واسطة لرحمة الله، وطلب منه العون على اعتقاد أنه غير مستقل في الإعانة، فهذا جائز؛ لأن هذه الاستعانة بهذا الولي في الحقيقة استعانة بالله تعالى قال علمائه السالفة “إن الاستمداد من أرواح الأموات هو عقيدة جميع أهل السنة بدليل أن الله تعالى قد سخر الملائكة لإعانة خلقه ومددهم” .

    وقد قام العلامة شبير أحمد العثماني بأعمال أخرى عديدة وخدم الأمة الإسلامية الهندية طوال نصف قرن بأعماله العلمية والثقافية والاجتماعية والدينية، وانضم إلى جماعات تعمل في ذلك الوقت من أجل تحرير البلاد الهندية من براثن الاستعمار الانجليزي الغاشم، وحاول بكتاباته وخطاباته إخراج أبناء جلدته وبنى قومه من مستنقع الجهالة والتفرق والتشتت، كما حاول بكل ما لديه من وسائل، القضاء على تلك العبودية الذهنية والفكرية التي استولت على الهنود إثر احتلال القوى الاستعمارية لبلاد الهند، وذلك لأن استعباد الجسم مرض يمكن دواؤه ويرجى شفاؤه، أما استعباد الروح فموت للقومية والأمة التي لا يقدر على إحيائها طبيب ولو كان حاذقا. هكذا قضى العلامة شبير أحمد العثماني حياة حافلة بالأعمال العلمية والفكرية والدينية والدعوية، وكان من الرجال الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

    الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

    1)

    )

    فتح الملهم في شرح الصحيح للإمام مسلم)

    2)

    )

    تكملة فتح الملهم، الشيخ محمد تقي العثماني

    )

    3)

    )

    تاريخ دارالعلوم/ديوبند، محبوب رضوي

    )

    4)

    )

    مقالات عثماني، خالد القاسمي

    )

    5)

    )

    ترجمة معاني القرآن الكريم لشيخ الهند، الشيخ شبير أحمد العثماني

    )

    6)

    )

    ندائ دارالعلوم، مجلة شهرية تصدر عن جامعة إسلامية دارالعلوم وقف بديوبند

    )

    [1] تاريخ دارالعلوم/ديوبند، ص ١٨٧ ، ج ٢

    [2] مقالات عثماني، ص ٤

    [3] فتح الملهم، ج ١

    [4] فتح الملهم، ج ١

    [5] تكملة فتح الملهم، ص 9، ج4

    [6] تكملة فتح الملهم، ص 5، ج4

    [7] تكملة فتح الملهم، ص 8، ج4